0
بورما .. الحقيقة والمأساة

لم تكن الأحداث الأخيرة التي مرت ببورما حدثا عارضا ولا أمرا جديدا , ولم يكن دم المسلمين الذي يسال فيها اليوم هو أول الدماء ولا أغزرها , ولم تكن دماء المسلمين تسيل من أهل بورما وحدهم بل هي مشكلة قديمة جديدة نعالجها في كل مرة بنفس الطريقة والأسلوب الذي لم يرق يوما لمستوى الحدث .
ففي كل فترة تثار قضية يهتم لها المسلمون أياما أو أسابيع , ثم تغمرها أمواج النسيان , حتى تأتي فاجعة أخرى تذكرنا بشعب مسلم آخر لنعيد نفس الكرة .
فما يحدث في بورما الآن يحدث بنفس الطريقة مع عدم تسليط ضوء إعلامي - نتيجة لكثرة المآسي - في كشمير مع السلطات الهندية وتركستان مع السلطات الصينية والشيشان من السلطات الروسية , ويحدث أيضا في محيطنا القريب مع عرب الأحواز مع السلطات الإيرانية , وغيرهم الكثير من الأقليات المسلمة التي لا ترى حقوقا ولا تجد ناصرا من البشر .
إن ما يحدث للمسلمين في بورما وأخواتها نتيجة لغياب المنهج الإلهي الحكيم في التعامل بين البشر واستبداله بالمناهج الأرضية التي تقوم على المرجعية الوحيدة لنيل الحقوق وهي القوة , فاستحالت الأرض كغابة كبيرة يأكل كل قوي فيها الضعفاء من حوله , وأصبح لزاما لكل حق أن يكتسب قوة تحميه وتصونه , ولا سبيل لنيل أي حق من الحقوق سوى أن ينتزع بالقوة من بين براثن المعتدين .
فمسلمو بروما الذين دخلوا الإسلام طواعية عن طريق تعامل التجار المسلمين في القرنين الثامن والتاسع الميلاديين , وسبقوا الماج البوذيين في التواجد على هذه الأرض , وأقاموا دولة إسلامية بسيادة كاملة على أرضهم لمدة تقترب من الأربعة قرون بنوا فيها المساجد وصكوا العملة التي تحمل كلمة التوحيد .
  إلا أنهم ومنذ أن اجتاحت جيوش الملك البوذي (بورديابا) مدينة " أركان" ( أكبر تجمع إسلامي في بورما ) عام 1784م , وتعرض المسلمون بعدها للعديد من المذابح المتتالية لإبادتهم من الوجود ولطمس كل معلم إسلامي فيها ولإحلال كل طابع بوذي عليها , ذلك ليختفي كل أثر للإسلام والمسلمين من حياتهم وليقضوا عليهم تماما .
ولم يقدم الاستعمار الإنجليزي جديدا لمسلمي بورما بل عمد إلى إذكاء وإشعال الفتنة والحروب بين البوذيين والمسلمين مؤيدا جانب البوذيين ومساهما معهم في القضاء على المسلمين , وكان من أشهر ما تعرض له المسلمون في بورما إبان فترة الاحتلال البريطاني لها مذبحة عام 1942 م حيث ذبح فيها قرابة المائة ألف مسلم في أركان وحدها , وتعرضت منشآتهم الإسلامية كالمساجد والمعاهد والمدارس والمحاكم الشرعية للنسف بالمتفجرات وذلك مع طرد عام للمسلمين من وظائفهم الحكومية .
وحتى بعد أن نالت بورما الاستقلال في 4 يناير عام 1948 , وهو الذي ساهم فيه المسلمون بتضحيات ملحوظة لم يكن لهم نصيب فيه إذ تجاهل البوذيون وجودهم تماما بعد فقدهم لأغلب وظائفهم الحكومية , وعوملوا معاملة مواطنين من الدرجة الثالثة أو الرابعة , مما اكسبهم ولليوم لقب " أسوأ أقلية مضطهدة في التاريخ " بحسب وصف الأمم المتحدة لها .
لذا فالأزمة ليست وليدة اليوم وان ما يحدث الآن ليس بجديد وأن النية مبيتة لإفنائهم من الوجود والعمل جار لتحقيق هذا الهدف منذ زمن بعيد , وهم يعلمون تماما أن العالم الإسلامي ضعيف بتفرقه مشغول بقضاياه تحيط به الأزمات المصطنعة التي يراد له أن يغرق فيها دوما فلا يلتفت لمثل هذه القضية وليستمر مسلسل الذبح للمسلمين في تلك البقاع ومثيلاتها دون أي بارقة أمل في تدخل أحد , فالمنظمات الدولية التي تقيم الدنيا ولا تقعدها من أجل الحفاظ على الحيوانات لا ترى المسلمين حقا في الحياة , بل تقف صامتة مشاهدة لتحصي فقط عدد قتلاهم لتنشرهم كخبر مهمل في وسائل إعلامهم .
وزادت فترة الانقلاب الشيوعي النار التي تحرق المسلمين إذكاء , إذا أعلن الجنرال (تي ون) بورما دولة اشتراكية عام 1962 م , وليذكر صراحة أن الإسلام هو عدوه الأول , فأمم أملاك المسلمين واستبدل العملة النقدية بعملة جديدة ولم يعوضهم عن العملات التي كانوا يمتلكونها ليزدادوا فقرا ومهانة , وفرض على الرجال المسلمين الزواج من بوذيات , وفرض الأسماء البوذية على أبنائهم , ومنع ارتداء الفتيات المسلمات للحجاب مما وضع المسلمين تحت اختيارين شديدين , إما الهروب وترك الأموال والممتلكات لخارج بورما , ففر كثير منهم للدول المحيطة , حيث فر أكثر من 250000 مسلماً إلى بنجلاديش ، وفي عام 1994م لجأ ما لا يقل عن 110000 إلى تايلاند , وذلك في هجرات جماعية يموت فيها الكثيرون في الطريق حتى يجدوا مأوى آمنا .
وكان البديل الآخر هو الارتداد عن الإسلام للنجاة بأنفسهم , فارتدت منهم أعداد كبيرة تحت هذه الضغوط , وتحمل الباقون الاستمرار على الدين والبقاء في الوطن مما عرضهم لكل أنواع الضغوط التي لا تتحملها أي جماعة إنسانية .
وإذا أراد أحد أن يرسم صورة للإذلال السياسي والاجتماعي فلن يجد صورة ابلغ ولا أوضح من مسلمي بورما الذين تمسكوا وبقوا في بلدهم , فحرموا كل الحقوق الإنسانية , ففي عام 1982 صدر قانون جديد في بورما يقسم المواطنين إلى درجات :
الدرجة الأولى وهم الكارينون والشائيون والباهييون والصينيون والكامينيون  ومعظمهم يعتنقون البوذية وديانات أخرى وثنية .
الدرجة الثانية وهم المواطنون الخليط من الأجناس السابقة  .
الدرجة الثالثة وهم المسلمون حيث تم تصنيفهم على أنهم ليسوا مواطنين بل أجانب دخلوا بورما لاجئين أثناء الاستعمار البريطاني وحاولوا تثبيت هذا الزعم الكاذب على المسلمين وهم أصحاب الأرض الأصليين .
وعلى هذا تم سحب الجنسية عن المسلمين وتم حرمانهم من كل الأعمال وصاروا بلا هوية في وطنهم وأصبح بإمكان الحكومة أن ترحل أي عدد منهم خارج البلاد في الوقت الذي تشاء , بوصفهم أجانب , ويرحلون بلا أية حقوق أو إثبات هوية , مما اضطرهم لقبول العيش في بلادهم على أي مستوى لعدم وجود مكان لهم لا داخله ولا خارجه .
ولم تكتف الحكومة البوذية بهذا الإذلال والإهانة للمسلمين بل جعلت مجرد نيل المسلمين لدرجة أجانب حلما من أحلامهم , فأعادت تصنيف الدرجات لتجعل المسلمين في الدرجة الرابعة وهي درجة عديم الجنسية الذي يحق للحكومة أن تحتجزه في السجن لأي مدة تشاء ثم إذا أفرجت عنه يودع في معسكرات للاعتقال لتحدد فيها إقامته وليعملوا فيها الأعمال الشاقة والخطرة , ويمنح لمن يثبت فيهم تفوقا في عمله أن يسجلوا على درجة أجانب على أن يعيش في أماكن محددة لا يسمح لهم بالخروج منها ولا يتحرك منها لمدن أخرى إلا بتصريح كتابي حكومي , وربما يتعرض للعقوبة بعد حمل جميع الأختام والأوراق الرسمية , كما حدث عام 2001  , بعدما اعتقل ثمانية من المسلمين كانوا في طريقهم إلى رانغون من أركان ، وكانوا يحملون الأوراق الرسمية المطلوبة بخلاف تصاريح السفر إلى خارج مدنهم , فتم القبض عليهم ومحاكمتهم والحكم عليهم بالسجن لسبع سنين !!
الأحداث الأخيرة
عادة لا تحتاج انتهاكات حقوق المسلمين والاعتداءات عليهم إلى مبررات من جانب الأغلبية البوذية التي تدعمها الحكومة التي تمدهم بكل شئ لإبادة المسلمين , فيكفي أن تسري إشاعة كاذبة عن أي اعتداء من جانب المسلمين على البوذيين - وهو مالا يحدث مطلقا لقلة عدد المسلمين وضعف قوتهم - إلا وتجتمع جحافل من البوذيين ليعملوا في المسلمين أسلحتهم بلا خشية من محاسبة ولا معاقبة .
وغالبا ما تكون البداية أيضا باعتداء من الجانب البوذي على مساجد أو ممتلكات أو أعراض المسلمين ومن ثم يحاول بعض المسلمين الدفاع عن مقدساتهم وأعراضهم وممتلكاتهم , وبعدها تنتشر الحرائق في صفوف المسلمين ومنها حرائق لأجساد المسلمين أنفسهم وليست ممتلكاتهم فحسب .
فتدعي وكالات الأنباء البورمية وقوع حادثة اغتصاب وقتل لامرأة بوذية جزمت بأنها على يد ثلاثة رجال مسلمين على الرغم من عدم وجود أي بيانات عن مرتكبي الحادث تحت أيديها , فقام ثلاثمائة من البوذيين بمحاصرة حافلة بها عشرة ركاب ( من الدعاة المسلمين الذين يعلمون الناس الإسلام ) وانهالوا عليهم ضربا حتى قتلوهم جميعا واغتصبوا المرأة المسلمة التي كانت معهم وأشعلوا النيران في الحافلة وحرقوا أجسادهم , والعجيب انه كان من بين العشرة رجل بوذي قتلوه أيضا وهم يظنونه مسلما .
ولا يزال الدم المسلم في بورما يسيل حتى كتابة هذه السطور , وسيظل يسيل طالما يكرر المسلمون نفس ردود الأفعال في كل مرة , بينما يشتد عليهم البوذيون وتكثر مساعدة الدول المحيطة للبوذيين في قتل وتشريد وطرد المسلمين بينما يقف المسلون دوما في مقاعد المتفرجين
رد فعل المسلمين القديم والحديث
لم يختلف رد فعل المسلمين في كل مرة , فالتجاهل لقضيتهم وعدم الاكتراث بدمائهم ظل سائدا لفترة طويلة وخاصة منذ بداية المأساة في ظل تعتيم إعلامي عليها , وعندما زادت الوسائل الإعلامية وظهرت مشكلة بورما على الساحة الإسلامية والدولية انتقل رد الفعل الرسمي المسلم إلى السلاح الفعال الذي يستخدمونه في كل مرة , وهو سلاح الشجب والاستنكار والإدانة , وهو السلاح الفاتر الذي لا يسمن ولا يغني من جوع , وكان التصرف الشعبي وتصرف المنظمات الإسلامية أكثر رقيا واستشعارا للمسئولية من التصرف الرسمي الغائب تماما عن المشهد .
فعلى الرغم من تدخل بعض المنظمات الإسلامية التي اتخذت قرارها بجمع مساعدات مالية لهم وتوصيلها داخل بورما وعلى حدودها إلا أن المجتمع الغربي لم يتركها تعمل هذا العمل الإنساني .
وكانت مؤسسة النجدة العالمية في أمريكا وهي من المؤسسات الإغاثية الإسلامية قد بدأت في إيصال المساعدات لهم إلا أن تلك المؤسسة قد أُغلقت وجُمدت حساباتها من قبل الإدارة الأمريكية للرئيس جورج بوش بعد الحادي عشر من سبتمبر , ولم تتبن قضيتهم بعد ذلك مؤسسة إغاثية بمثل ما كانت تقدمه مؤسسة النجدة .
مشاهد مفزعة ومتكررة تدمي القلوب
ما أصعب أن يعيش الإنسان وهو مختبئ داخل جدران بيت متهالك لا يقي حر صيف ولا برد شتاء ويفقد فيه الأمن أيضا وخاصة عندما تجوب مجموعات بوذية مسلحة بالسكاكين وعصي الخيزران المسنونة العديد من مناطق وبلدات ولاية أراكان لتقتل كل من يواجهها من المسلمين وتحرق وتدمر مئات المنازل
وما أصعب أن تستنجد فتاة مسلمة من بورما تدرس بالأزهر لتحكي ما يحدث لأخواتها , فتقول الفتاة المسلمة عائشة صلحي التي تدرس الشريعة في مصر: " منذ أيام اتصلت بأهلها فأبلغوها أنهم هربوا إلى بنجلاديش بعد أن هدم البوذيون منزلهم وقتلوا بعض أفراد العائلة وأن صديقتها المقربة راحت ضحية هذه المجازر البشعة " , وتحدثت عن حالات الاغتصاب المتكررة للمسلمات هناك فتقول " ابنة خالتى ظل الجيش يغتصبها لمدة ثلاثة أعوام وأنجبت طفلين لا تعرف أباً لهما" !
فهل بعد هذا من خزي وعار يلاحقنا نحن - الآمنين - في بيوتنا ومساجدنا ونحن نترقب دخول شهر رمضان ؟ , وهل يطيب لنا عيش وإخواننا يقاسون ألوان المهانة ؟!!
موقف بنجلاديش
على الرغم من تفهم الجميع لإمكانيات بنجلاديش الاقتصادية وأنها لا تستطيع أن تتحمل كل هذه الأعداد من النازحين إليها , إلا أن هذا لا يبرر ما تقوم به من تعذيب وإهانة أبناء بورما النازحين إليها , فتلقيهم في معسكرات لا تصلح للحياة بل هم فيها إلى الموت اقرب منهم للحياة في إقامة غير آدمية لمن سمح لهم الإقامة فيها , ويقيم أبناء بورما في مخيمات تخضع للأمم المتحدة لتضم أكثر من 25000 لاجئ رسمي بينما تؤكد بنجلاديش ما بين 200000 إلى 300000 لاجئ غير رسمي لا يحملون أية وثائق رسمية , وفي تقرير حقوقي أعده مجموعة من اللاجئين المسلمين في بنجلاديش حول وضع المخيمات واللاجئين، أظهرت الأرقام أن عدد اللاجئين البرماويين المسلمين في بنجلاديش تجاوز 700 ألف لاجئ، والمسجل منهم لدى وكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة 30 ألف لاجئ فقط , وهم داخل بنجلاديش يعيشون بلا أية حقوق قانونية خارج المخيمات , ويساعدهم أهل بنجلاديش المسلمون في حصولهم على قوتهم الضروري في بلد يعاني أكثر أهله من الفقر والحاجة
ومن المخزي أن تقف الحكومة في بنجلاديش وتقوم بعرقلة وصول المعونة والإغاثة الإنسانية الدولية إلى هذه الفئة من اللاجئين غير المسجلين وخاصة بعد أن اعتقلت أربعة موظفين بنجلاديشين من منظمة إنسانية دولية بتهمة تقديم المساعدة إلى اللاجئين غير المسجلين مما اضطر عدة منظمات إسلامية مثل منظمة الإغاثة الإسلامية البريطانية لإيقاف عملياتها الإنسانية هناك منذ عام 2010 .
وينبغي على الحكومات المسلمة أن تسير في اتجاهين متوازيين الطريق الرسمي الدبلوماسي بالضغط على حكومة بورما بكل الوسائل الدبلوماسية المتاحة لإنقاذ المسلمين هناك وفي المسار الثاني بتقديم الدعم لهؤلاء النازحين لتحسين أوضاعهم داخل بنجلاديش ومحاولة الوصول لمسلمي بورما وتقديم المساعدات الإنسانية لهم وخاصة بعد ورود تقارير تفيد بأن " عشرات الآلاف من اللاجئين البورميين لا يستطيعون الحصول على المعونات الغذائية، وأن 25% من الأطفال يعانون من حالات سوء التغذية الحادة، وأن 55% من الأطفال ما بين 6- 59 شهراً يعانون الإسهال، وأن 95% من اللاجئين يقترضون ويتسولون ليأكلوا " .
ويتبقى بعد ذلك السؤال الأهم
هل ستعاود الحكومات المسلمة اتخاذ نفس رد الفعل , أم سيكون لها موقف أكثر قوة وإيجابية في التعاطي مع مشكلة قديمة وأزلية قبل أن يقف كل مسئول بين يدي الله ليسأله عن عمله وعن نصرته لإخوة مسلمين يستنجدون به في عالم يتحزب فيه كل أبناء ديانة ويدافعون عن إخوانهم في العقيدة ... إلا المسلمون ؟

0
معالم المتدبرين

حث الله -سبحانه وتعالى- على تدبر مواعظ القرآن، وبين أنه لا عذر في ترك التدبر كما قاله القرطبي بدلالة قوله تعالى: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ). [ص، 29] لكنَّه بيَّن أيضاً أن هذا التدبر له شروط ومعالم ينبغي للمتدبر أن يحققها؛ ليحصل بها أثر التدبر وثمرته، ومن خلال التأمل في كتاب الله نجد أن آية سورة (ق) وهي قوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) [ ق: 37 ] قد أشارت إلى هذه ذلك إجمالاً، وعلى ذلك سيتمحور الحديث عن هذه الشروط في ضوء هذه الآية الكريمة، ويمكن أن نجعل هذه الشروط تحت هذه المعالم الرئيسة:
 
أولاً: أن يكون المتدبر حي القلب.
ثانياً: أن يفعل المتدبر الأسباب المعينة على التدبر.
ثالثاً: أن يجتنب المتدبر الأمور التي تصرف عن التدبر.
 
وهذه الشروط تندرج تحتها أسباب ولوازم كثيرة، وهي شروط نسبية تتفاوت من شخص إلى آخر تزيد وتنقص؛ بسبب تفاوت العقول والأفهام، وفعل الأسباب، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (هذا مع أن الناس متباينون في نفس أن يعقلوا الأشياء من بين كامل وناقص, وفيما يعقلونه من بين قليل وكثير وجليل ودقيق وغير ذلك...). [الفتاوى الكبرى، 9/309] فبحسب تحقيق هذه الشروط وأسبابها، تكون نتيجة التدبر من زيادة أو نقصان، وتفصيل ذلك في مايلي:
 
فكون المتدبر حي القلب: فهذا ظاهر من الآية، وقد نصَّ غير واحد من المفسرين كقتادة، ومقاتل بن سليمان، وغيرهما، على أن المراد بالقلب هنا: القلب الحي؛ فالرجل الحيُّ القلب مستعد, فإذا تليت عليه الآيات, أصغى بسمعه, وألقى السمع وأحضر قلبه, ولم يشغله بغير فهم ما يسمعه, فهو شاهد القلب, ملقي السمع, فهذا هو الذي ينتفع بالآيات المتلوة والمشهودة، فإن كان القلب غائباً أو مسافراً في الأماني والشهوات والخيالات؛ فإنه لا يحصل به الانتفاع،   ولذلك نجد أن القرآن الكريم أشار إلى أن هذه الأمور تعد من أقفال القلوب المانعة من التدبر، فقال موبخاً المنافقين: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)؟! [محمد، 24]
 
قال ابن القيم في الفوائد: (قوله: (لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ) فهذا هو المحل القابل، والمراد به القلب الحي الذي يعقل عن الله، كما قال تعالى: (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (69) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا)   أي حي القلب).
 
ومن لوازم هذا الشرط المهم - حياة القلب وشهوده - أعمال القلب الأخرى: كالإيمان بالله، وإخلاص القصد، واليقين، والإنابة إلى الله، واستشعار عظمة القرآن.. وبالمقابل أيضاً يلزم من ذلك تطهيره من أقفال التدبر: من الشواغل، ومن الغل والحسد والرياء والنفاق..إلخ.
 
 
فإذا حقق المتدبر هذا الشرط وما يلزم منه من اللوازم، بحيث يصبح قلبه حياً شاهداً طاهراً؛ فإنه - بإذن الله - سينتفع بآيات الله المتلوة والمشهودة. وحينها لن يشبع القلب من كلام الله كما أشارت إليه القولة العثمانية الرائعة التي نقلها الإمام أحمد في الزهد عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه-: (لو طهرت قلوبنا ما شبعت من كلام الله عزوجل).
 
أمَّا كون المتدبر يفعل المتدبر الأسباب المعينة على التدبر فدلالته أخذت من قوله تعالى: (أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ) فإلقاء السمع من أهم الشروط؛ ولا يتم التدبر إلا به، كما أن إلقاء السمع ثمرته العمل بما سمعه المرء، وإلا فما فائدة السمع إذن؟!
 
  وقد أمرنا القرآن بالإستماع إلى آياته والإنصات لها بقوله: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [الأعراف، 204] أي: أصغوا له سمعكم لتتفهموا آياته، وتعتبروا بمواعظه، وأنصتوا إليه لتعقلوه وتتدبروه، ولا تلغوا فيه فلا تعقلوه كما قاله شيخ المفسرين الإمام الطبري.
  قال الإمام وهب بن منبه - رحمه الله -: (من أدب الاستماع: سكون الجوارح, وغض البصر, والإصغاء بالسمع, وحضور العقل, والعزم على العمل).
علَّق على ذلك القرطبي في تفسيره بقوله: (وذلك هو الاستماع كما يحب الله تعالى, وهو أن يكف العبد جوارحه, ولا يشغلها فيشتغل قلبه عما يسمع, ويغض طرفه فلا يلهو قلبه بما يرى, ويحصر عقله فلا يحدث نفسه بشيء سوى ما يستمع إليه, ويعزم على أن يفهم فيعمل بما يفهم).  
  فإلقاء السمع إذن يستوجب العمل، ولكن هذا السمع لن يكون مؤثراً؛ حتى يعقل المتدبر ما يسمع، كما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: (فالذي يَسمَعُ ما جاءت به الرسل سَمعًا يَعقلُ به ما قَالُوهُ يَنجُو. وَإلا فالسَّمعُ بلا عَقلٍ لا يَنفعُهُ.. وكذلك العقلُ بلا سَمعٍ لِمَا جَاءَت به الرسل لا ينفع). وقال تلميذه ابن القيم في الصواعق المرسلة: (فجمع سبحانه بين السمع والعقل, وأقام بهما حجته على عباده, فلا ينفك أحدهما عن صاحبه أصلاً, فالكتاب المنزل والعقل المُدْرِك حجة الله على خلقه).
قال سفيان بن عيينة - رحمه الله -: (أول العلم الاستماع, ثم الفهم, ثم الحفظ, ثم العمل, ثم النشر؛ فإذا استمع العبد إلى كتاب الله تعالى وسنة نبيه - عليه الصلاة والسلام - بنية صادقة على ما يحب الله أفهمه كما يحب, وجعل له في قلبه نورًا). [أحكام القرآن، القرطبي 11/176]
 
ولن يعقل هذا المتدبر إلا بقيامه بعمل الأسباب المعينة على عقل هذا المسموع الذي هو القرآن، وأسباب ذلك كثيرة، من أهمها: معرفة اللسان العربي حيث ذكر العز بن عبد السلام أن تدبر القرآن وفهم معانيه لا يأتي إلا بمعرفة اللغة، ومنها أيضا: مراعاة الأحوال المناسبة للقراءة والسماع، والبسملة، والاستعاذة من الشيطان، والترتيل؛ لأن ذلك أدعى للعقل والفهم، والترديد للآيات فهو يزيد الفهم لكلام الله،؛ كل على حسب قدرته وتفهمه بشرط العلم الصحيح والفهم الصحيح كما قرَّره العلامة الشنقيطي في أضواء البيان.
  فالاستماع السليم هو الذي يورث التلاوة الصحيحة والفهم الصحيح، إذ إن القرآن أخذ بالتلقي؛ وعندئذٍ يشترك اللسان والعقل والقلب, فحظ اللسان: تصحيح الحروف بالترتيل, وحظ العقل: تفسير المعاني, وحظ القلب: الاتعاظ والتأثر بالانزجار والائتمار؛ فاللسان يرتل, والعقل يترجم, والقلب يتعظ. [ينظر إحياء علوم الدين، الغزَّالي، 1/287]
ومن جميل ما يستشهد به في هذه المسألة ماقاله ابن بطال معلقاً على حديث قراءة ابن مسعود t وقوله r له كما في الصحيحين: (إني أحب أن أسمعه من غيري). قال: (يحتمل أن يكون الرسول r أحب أن يسمعه من غيره، ليكون عرض القرآن سنة يُحتذى بها, كما يحتمل أن يكون لكي يتدبره ويتفهمه).  
 
أمَّا كون المتدبر يجتنب الأمور التي تصرف عن التدبر.
وهو ما يعبر عنه علماء الأصول: بانتفاء الموانع، وهو شرط من الشروط الأصلية، فالأحكام توجد بوجود الشروط، وتنتفي لوجود الموانع.   
وآية سورة (ص) وهي قوله تعالى: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ). [ص، 29] دالة على ذلك لزوماً، فالقلب الحي، والاستماع السليم، والقلب الشاهد؛ لا توجد إلا لمن بتحقق شروط التدبر وانتفاء موانعه، وعلى ذلك: فكل شي لا يتم الانتفاع به إلا بتحقيق شروطه وانتفاء موانعه، ومن ذلك تدبر القرآن. وإلا فكيف يكون القلب حياً، وهو منكب على الشهوات أو الشبهات؟! فالمطلوب إذن من المتدبر أن يبتعد عن الوقوع فيما يصرف التدبر.
 
والموانع التي يجب على المتدبر اجتنابها صنوف وأضرب، وهي غالباً ما تندرج تحت سببين رئيسين: إما وقوع المرء بالشبهات مثل الجلوس مع أهل البدع، واتباع المتشابه، وقصر  الآيات على أحوال خاصة..إلخ. أو وقوع المرء في الشهوات: كالإصرار على المعاصي والذنوب، واستماع الغناء، والانشغال بالدنيا، واتباع الهوى..إلخ.
ومن جوامع ابن القيم ما ذكره في كتابه الفوائد، وهو يتكلم عن هذه الشروط  بكلام مختصر مفيد، حيث يقول: (والمقصود أنك متى ما أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه, وألق سمعك, واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه, فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله, قال تعالى:        (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) [ ق: 37 ], وذلك أن تمام التأثير لما كان موقوفًا على مؤثر مقتض, ومحل قابل, وشرط لحصول الأثر, وانتفاء المانع الذي يمنع منه, تضمنت الآية بيان ذلك كله بأوجز لفظ وأبينه وأدله على المراد .
  فقوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى) إشارة إلى ما تقدم من أول السورة إلى هاهنا, وهذا هو المؤثر.
وقوله:   (لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ) فهذا هو المحل القابل, والمراد به القلب الحي الذي يعقل عن الله, كما قال تعالى: (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (69) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا) [يس: 69 - 70].   أي: حي القلب.
وقوله: (أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ) أي: وجَّه سمعه وأصغى حاسة سمعه إلى ما يقال له, وهذا شرط التأثر بالكلام. وقوله:   (وَهُوَ شَهِيدٌ) أي: شاهد القلب حاضر غير غائب.
     قال ابن قتيبة - رحمه الله -: (استمع كتاب الله وهو شاهد القلب والفهم, ليس بغافل ولا ساه)، وهو إشارة إلى المانع من حصول التأثير, وهو سهو القلب وغيبته عن تعقل ما يقال له, والنظر فيه وتأمله.
فإذا حصل المؤثر وهو القرآن, والمحل القابل وهو القلب الحي, ووجد الشرط وهو الإصغاء, وانتفى المانع وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب, وانصرافه عنه إلى شيء آخر, حصل الأثر وهو الانتفاع والتذكر).
 
وإني موصيك ونفسي أيها القارئ الكريم، خاصة وأنت في شهر القرآن أن تراعي هذه الشروط والمعالم في تعاملك مع كتاب ربك؛ لتظفر بالتدبر الأمثل لكتاب الله عزوجل، فإن من أفضل ما يُفنى به العمر، ويقضى فيه الأجل تدبر كتاب الله، إذ به تكمن الغاية الكبرى من إنزاله.. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ). [الزخرف، 44]

0
ما الذي يضغط على الشباب نحو التبديل؟ (2-2)

مقدمة لابد منها ..
نعبر بـ"الانسجام" على الحالة النهائية لمصَالَحة النفس ، ومدى التوافق بين الفكر والروح والجسد ، في وضعية إنسانية اجتماعية ما .. وتتحكم في "الانسجام" عوامل متعددة ؛ كاللغة والجنس والثقافة والصفات الشخصية والقدرات ، ومن مغذياته الدين والتاريخ والتربية ..
إن القدر الكبير من الانسجام والقدرة على التعايش ضمن البيئة بنجاح ؛ ضرورة وحاجة نفسية ملحة ، إذ تتضح معها الخطوط الآمنة لتحقيق المصلحة المشتركة وأداء الحقوق والواجبات المتبادلة ضمن سعة احتمالية ممكنة .

ولهذا الانسجام اتجاهين -على الأقل- نعنيهما في المقال:
الأول: انسجام داخلي ؛ انسجام النفس مع المبادئ والقيم التي يؤمن بها وتطبيقها في الواقع العملي والالتزام بها.. ومؤشره الثبات.
الثاني: انسجام خارجي ، انسجام النفس مع البيئة التي ينتمي إليها أو يقُدَّر العيش فيها.. ومؤشره الدعوة والتأثير .
وللانسجام الخارجي دلالائل تؤكده ، من أبرزها :
1) القبول .
2) معدل الصفات المشتركة .

• أما ( القبول ) فهو مفتاح الدخول للعلاقة الجديدة ، فما لم يشعر المرء ضمن البيئة التي يقصدها (الأسرية - التعليمية - الوظيفية - مجموعات الأصدقاء..) بالقبول والترحاب المبدئي ، والذي يحدده الاستقبال الجيد واللقاء السلمي ، لن يكون قادراً بعدها على الانسياب في علاقة اجتماعية جيدة .

• أما ( الصفات المشتركة ) .. فذاك انجذاب الطيور لأشكالها.. ولازمة الاستقرار النفسي والانطلاق.. كم مرةٍ وجدت من ذي مهنة معينة ، حميمية مدهشة لشخص آخر ، لم يسبق أن التقى به ، سوى أنه يشاكله المهنة ؟..
والطالب المبتعث ، المسلم ، العربي ، في غربته يأنس لمثيله ، ويقترب للمسلم ، وللعربي أكثر ، ولابن بلده أكثر ، ولذات التوجهات أكثر ، ولذات التدين أكثر .. وهكذا تتقارب النفوس وتنسجم كلما تبدّت الصفات والمبادئ والقيم المشتركة بينها ..

وهذا فيه تحدي بين الانسجام مع البيئة -ذات التنوع الثقافي والتربوي والديني..- الذي يتطلب توفير مشتركات مقبولة تمكِّن برغمها من الاجتماع والتعايش ، وبين الالتزام بالمبادئ وإعلانها مهما كلف الأمر من صعوبات وتحديات مع البيئة ..

بعد المقدمة .. نشأة الصراع  ..

يتولّد "الصراع الداخلي" في الإنسان كثيراً من محاولة التقريب بين الانسجامين الداخلي والخارجي ؛ لا سيما في زمان الغربة وأماكن الاغتراب .
والإلحاح النفسي الذي يتولّد لتحقيق قدر من الانسجام ؛ ربما دفع بالمرء المسلم إلى إضمار شيء من المبادئ والأفكار والمفاهيم ودفنها في النفس أو تسويتها مع البيئة واختزالها عن الظهور توجساً من شذوذها الشكلي أو المعنوي والذوقي..

ولتجاوز مرحلة الصراع هذه واختصارها ؛ يفضِّل المنهزمون وضعيفي الإيمان بمبادئهم ، حصد المكاسب للانسجام الخارجي على حساب الانسجام الداخلي.. ويتأزم الحال وتشتد خطورته إن تم ذلك على حساب المبادئ العميقة المرتبطة بالهوية الإسلامية والمميزة لها ظاهراً وباطناً!

فحينما يتنازل المرء عن مبدأ جيد لأجل مبدأ رديء ووضيع ، كمن يتنازل عن روح المسؤولية والأمانة والإخلاص تمشياً مع عبث البيئة الجديدة وفوضويتها وغياب المسؤولية والأمانة ؛ فذاك تحقيق لانسجام خارجي ربما خفف الصراع النفسي -وربما لا تُدرك عاقبته- يكشف عن ضعف الانسجام الداخلي مع المبادئ والقيم والأفكار!

والذين يتعرضون للسفر لبلاد أجنبية من المبتعثين ، يواجهون صراعات حاسمة مع المبادئ والأفكار والمفاهيم ؛ لتعدد مستويات الاختلاف ، ربما دفع بعضهم -لحماسه ورغبته الشديدة في فرصة الابتعاث- إلى المساومة على المبادئ الشرعية الأصلية ، فيبدي انسجامه الخارجي على الداخلي فيضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مناحي متعددة ثم الانسياق وراء تحقيق إنسجامات متتالية في القيم والعادات وربما آلت إلى حرف السلوك والفكر ..

والشاب المسلم مالم يرفع راية الانسجام الداخلي أولاً ويعززها في نفسه -وهذا سر الثبات والتأثير- مع أصل الإيمان والقناعة التامة بقدرته على تطبيق شرع الله تعالى مع الاستطاعة والالتزام به، سيما في أزمنة الغربة وأماكن الغربة -وهل يخلو المسلم اليوم من غربة؟!- وإلا سيتحول جرياً وراء سراب الهوى ؛ لتحقيق سعادة وقتية ، بدعوى تحقيق انسجامات خارجية ، وتخفيف الصراعات الداخلية ، وخور ، وضعف ثم انسلاخ .. نسأل الله العافية والثبات .

وخير ما يعزز ضرورة الانسجام الداخلي للمسلم ويلبي له الحاجة في أقصى درجاتها ، أن يتوافق مع مبادئه الإيمانية النابضة في قلبه ضمن بيئة متوافقة معه في ذات النبض والتأثير .. الرفقة الصالحة التي تتشارك معه مبادئه وتمنحه سعادة الانسجام .
ولنا من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وخروجه من مكة التي أحبها معاني وإشارات تلخص لك الدرس ؛ إذ لم تتهيأ أرض الدين الواحد والقيم الواحدة هناك . .. فكانت الهجرة طريقاً في إيجاد البيئة التي تؤسس للانسجام الداخلي وتقويه وتهيء للانسجام الخارجي وتكونه ، إذ بهما بُنيت الدولة في النفوس وعمرت في الأرض!

والله أعلم

لعل فيما ذكر بيان لأسباب تضغط على الشباب نحو التبديل وليست مسوغات لذلك ..!
  فنستدرك على أنفسنا! بأننا هنا لا نسوّغ لأحد أبداً تبديله أو تراجعه أو نبرره (فكل نفس بما كسبت رهينة) .. ولكن هي محاولة للمعالجة وأسأل الله لي ولكل قارئ الثبات حتى نلقاه ..

0
ما الذي يضغط على الشباب نحو التبديل؟ (1-2)

موضوع له أهميته وحساسيته لأولئك -وأحسبك أحدهم- الذين يتحرَّقون على الاستقامة ويستميتون من أجل الصبر عليها، وتبلغ المجاهدة لديهم أعلى درجاتها ؛ للثبات على فعل الطاعات واجتناب المعاصي وعدم إظهارها؛ ويخشون تبدل أحوالهم بين عشية وضحاها ويسألون الله اللطف وحسن الختام.. نتدارس هذا الموضوع لتخفيف حدة القلق التي تنتاب بعضنا نحو "المبدِّلين" ، والحيرة التي تحول دون رؤية دوافع التبديل وأسبابه، خاصة من أولئك الذين عَرفوا معنى الحَور والثبات وخطورة الكوْر و"التبديل" في الدنيا والآخرة، وما قد يواجه به "المبدِّل" من دهشة القريب قبل البعيد ؛ وتساؤل النحب قبل العدو ، كيف لا .. وقد أُسِّس على شيءٍ من القرآن والسنة ودروس العلم والدعوة والتربية والتواصي على الطاعات كانت تؤهله لاستدراك ما ينقصه ويحتاجه من الوسائل الأخرى الأنفع له ..

لا أتعرَّض في حديثي للأسباب العامة العاصمة من "التبديل" التي يعرفها طالب مرحلة متوسطة قد التحق بالمحاضن التربوية فضلاً عن قارئ هذه اللفتة الكريم؛ مِن تدبُّر بعض المواعظ القرآنية، والنظر في حياة السابقين الثابتين، وخلوات العبادة والمحاسبة والتنقية، وصحبة الأخيار الذين يمتازون بوهج الإيمان، وشغل الأوقات بالواجبات وأداء الحقوق والمندوبات، والبعد عن مواطن الفتن المنتشرة، ومقاومة غزو الشهوات لملك الجوارح (القلب)، والإقبال على العلم الشرعي والقراءة النافعة... وغيرها مما لا يخفى وتكفي الإشارة فيه ..

أود أن أشير إلى أسبابٍ أراها في غاية الأهمية وهي لا تدع للشاب فرصة كافية لطرد خواطره ، التي تؤزُّه أزّاً للقفز نحو قالب جديد (بعد التبديل)!!

والأمل أن نسعى -معاً- في ثنايا ذكر الأسباب إلى المعالجة واقتراح وسائل أخرى لذلك..

فمن جملة تلك الأسباب ما يلي:

1) الاقتراب دون الاحتراز :
إن الشباب الأخيار ينتمون إلى واقع منفتح على العالم كغيرهم ، تموج فيه الفتنة والشر أسرع من ذي قبل ، ويدركون أن الفتن سبب من أسباب "التبديل"..
إذن كيف راجت عليهم الفتنة وكيف سقطوا ؟! دعونا ننظر إلى السابقين الذين قضوا بثباتهم :
ألم يكن في عهدهم فتن تدعوا إلى "التبديل" ؟!
ألم يكن في جيل الثابتين ثمت نساء يُفتـِنَّ؟!
ألم يكن لنفوسهم ثورة لجمع المال وحبه ؟!
ألم تخامر خواطرهم شرب الخمور والتلذذ بها؟!
أخذ المكوس والرشوة وحبُّ الشهرة والتصدّر والتريّس... ألم تتوارد تلك المعاصي في أجيال الثابتين ؟!
ألا تكافئ لذة تلك الفتن والشهوات في ذلك الزمان هذا الزمان ؟!
هل يظنّ ظانٌّ أنَّ المعاصي في ذلك الزمان من يقترفها لا يفقد "الحسّ الإيماني" أو يفعلها بروحٍ إيمانية مثلاً! وهي علينا اليوم أشد ؟!

بالتأكيد.. لا .. (فلا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن).. إذن القضية واضحة النتيجة، فالمعصية والفتنة أثرها واحد، وتتكرر في كل زمان.. والتلبس بها والاقتراب منها يُوقع فيها.

وقول رسولنا الرحيم صلى الله عليه وسلم: (أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب) ؟ ماذا كان يعني؟

إنَّ مباشرة أسباب الفتنة يُوقِع في الفتنة ولو كان أحدنا كابن الخطاب رضي الله عنه!

والذي جرى من الفاروق رضي الله عنه -فقط- أنه كان بيده شيء من التوراة فغضب الرسول صلى الله عليه وسلم فقال له : "أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب" ؟!

إن الشاب الخيِّر الذي يعيش واقع اليوم لابد أن يحاكم أوضاعه بطريقة مغايرة عن شباب الأمس ، ويكون أكثر انتباهاً واستبصاراً ليعي ذاته من داخله وخارجه، ويترقَّب جزئياته وما قد يطرأ عليها من التغيير أو "التبديل" ويتحسس ذلك؛ ليستدرك ويتنبّه تغلغل "التبديل"، الذي يتحول من مجرد الانكماش القيمي إلى زوال القيم!!
لنرى شيوع اللباس الأجنبي ، ومقتنيات الهوية الأجنبية ، والكلمات الأجنبية ، والكماليات الأجنبية... ثم تنتقل إلى الفكر الأجنبي، والتعلق بالأجنبي والانبهار به... والعياذ بالله

2) التشوق المحموم لهناء موهوم :
الشاب بطبيعته حيوي ، والشباب المنفتح لديهم تسارع نفسي ملحوظ ، ورصيد عاطفي غير متزن ، وتأهُّب تفاعلي مندفع ، يواكب المستجدات من حوله في عالم الترفيه والتقنية والموضة والدعاية والمتابعة والصدارة والشهرة.. همه التغيير، مهووس بالجديد، موهوم بالتململ، يفر من عقدة النقص فيكمل شخصيته بشكليات تملؤه، هي شهوته ولذته وغاية متعته، وكلما زاد منها رغب في المزيد، تسربت حياة المادة والأنوثة والتحرر إلى نفسه، فضعفت كوابحه، وتشوشت قيمه واختلطت مبادئه، فيفر من ضغط العجلة المادية الجديدة ليستنجد بأخرى أجد منها، وهذه تجعل -في نظر السائر نحو التبديل- في الحلول الإيمانية التي يعلمها (قراءة القرآن، وقيام الليل، والاستغفار، والدعاء، والإخلاص، والخوف من الله...) عاملاً بطيء التأثير، فلا يقوى على الصبر لثورانه وتوهج مشاعره لعمل شيء ما، فتعمى بصيرته، ويستعجل إزالة الهم والغم الذي يعانيه، فيلجأ إلى التغيير السريع الذي في حقيقته هو تغيير مؤقَّت!

وقد وقع في مثل هذا الغرب ، حين كنا نعجب منهم ولا زلنا ؛ إذ يملكون من عناصر المادة والتقنية والترفيه والتقدم والمال والطبيعة والحرية -كما يفهمونها- في أوسع حدودها ؛ إلا أن الأزمات النفسية لا تغادرهم والانتحارات والوقوع في حبائل المخدرات لا يفارقهم ! .. لماذا ؟!

نعم .. قد لا نلومهم لأنهم لا يعرفون المنهج الرباني الذي نؤمن به وفيه الطمأنينة والسكينة والراحة والثقة ..
لا نلومهم !
لكن علينا أن نتعظ منهم لتفسير ما يقع من بعض شبابنا اليوم -هداهم الله- وما قد يتأثر به الشباب الخيّر أيضاً؛ من تراجع وغياب قيمهم ملامح السنة الظاهرة .. فتستبدل بعد ذلك بالقيم الأجنبية الدخيلة (ففرَّوا من الموت وفي الموت وقعوا !)..
شيئاً فشيئاً ..
فإذا طغت حاجات الجسد وتلبيتها على حاجات الروح وتلبيتها ؛ تبدّلت الأحوال وتغيرت النفوس وساء المنقلب ..
والله المستعان.

وللحديث تتمة في جزء آخر بحول الله ..

0
خواطر ... لذة العبادة ... والصبر عليها

****

نفسٌ قيدتها ذنوبها

** يود الإنسان أن يكون ذاكراً شاكراً؛ لِما يسمع من فضل الذكر، و تجد أن من أيسر الأمور عليه الكلام الكثير -القيل والقال- لكن سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أثقل عليه من الجبال، لماذا؟ هل هي بالفعل ثقيلة؟ ليست ثقيلة، لكن عنده من الأعمال -أي السيئات - ما يحول بينه وبين تسهيل هذه الأمور وتيسيرها. ولو قلت له: اجلس، وهو ما تعود يقرأ ما يستطيع.

** والمسألة تحتاج إلى أن الإنسان يُرِيَ الله -جل وعلا- منه شيئاً في حال الرخاء، ويتعرف عليه في حال الرخاء بحيث إذا أصابه شدة أو مأزق أو جاءه ضائقة أو شيء يعرفه الله -جل وعلا- حال الشدة والحاجة (تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة)، و جربت كثيراً من الإخوان ومن الأخيار ومن طلاب العلم يهجرون بلدانهم وأهليهم إلى الأماكن المقدسة في الأوقات الفاضلة من أجل أن يتفرغ للعبادة، ثم إذا فتح المصحف.. مع المجاهدة يقرأ جزء بين صلاة العصر -وهو جالس لم يخرج من المسجد الحرام!- إلى أذان المغرب يا الله يقرأ جزء، يقرأ ويتلفت ويناظر، عسى الله يجيب أحد، إن جاء أحد وإلا قام هو يبحث عن أحد؛ لأنه ما تعود، ما تعود .. فصعب عليه، وهناك آخرين يقرأ عشرة أجزاء بالراحة وهو لم يغير جلسته؛ وهو مرتاح؛ لأنه تعود، فالمسألة مسألة تعود.

مقصد الشرع في تنوع العبادات

** الشرع نَوَّع العبادات، وتنوع العبادات مقصد من مقاصد الشرع، أما بالنسبة للواجبات فلا مندوحة ولا مفاضلة بينها، لا بد من فعل الواجبات كلها، ولا مندوحة من الإتيان بها ولا مفاضلة، بل كل شيء في وقته المحدد له؛ لا يقول: والله الآن رمضان، والجهاد أفضل من الصيام ويجاهد، ما يقول: والله الآن رمضان؛ والعلم أفضل من الصيام أتعلم العلم، لا، الصيام لا بد منه في وقته، والصلاة في وقتها لا بد منها، فلا يفضل على العبادات المحددة الموجبة في أوقاتها عليها شيء. وكثير من الناس عنده استعداد يصلي ألف ركعة ولا يتصدق بدرهم، فهذا تشريع الصلاة بالنسبة له أمر يسير ، لكن فرضت عليه الزكاة لينظر مدى امتثاله، و كذلك العكس .. بعض الناس عنده استعداد يدفع الأموال الطائلة ولا يصلي ركعتين، فتنوعت العبادات في الشرع ليدلي ويسهم كل مسلم منها بسهمه.

** يأتي التفضيل عند أهل العلم فيما زاد على الواجبات

** كل من فُتح له باب خير -أي فيما زاد على الواجبات- فليلزمه، فليلزمه؛ لأنه يأتي إليه مقبل راغب منشرح الصدر، فمن فتح له في الصلاة: (أعني على نفسك بكثرة السجود)، الصيام: (من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً)، الزكاة (من أنفق كذا... إلى آخره.

** إذا فتح للإنسان باب خير، باب من أبواب الدين، مثلاً فتح له ونشط للصلاة، صار ما يدرى؛ أَصلى مائة ركعة؟! مائة ركعة في اليوم!! نقول: الحمد لله هذا باب من أبواب الخير والحمد لله أنك وُفقت لهذا العمل، أو فتح له باب الصيام وسهل عليه بينما غيره يشق عليه أن يصوم في مثل هذه الأيام؛ فمن الناس من يصوم صيام داود! نقول: هذا وُفق لخير عظيم، يَلزم هذا الباب، ولن يحرم أجره، وقد يَلِجَ الجنة من هذا الباب.

النفع المتعدي والقاصر

** بعض الناس ينشغل بالنفع المتعدي، وينفع هذا، وينصح هذا، ويقدم لهذا، نقول: نعم، النفع المتعدي في الجملة والغالب أعظم أجراً، لكن ليس على إطلاقه، وليس معنى هذا أنك تهمل نفسك من العبادات الخاصة، وإلا لو نظرنا في أركان الإسلام لوجدنا الصلاة أفضل من الزكاة، وأعظم منها، مع أن نفعها قاصر وهذه متعدي، فليست المسألة على إطلاقها.

العلم و العبادة

** لا يُتَصور أن هناك عالم ما يتعبد، أبداً ما يُتصور هذا؛ لأنه متى سُمي عالم؟ سُميَ من خلال هذه الآية (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) [(9) سورة الزمر]، معناه الذي يقوم، يقوم الليل قانت.. آناء الليل.. أوقات الليل ساجد وقائم يصلي لله -جل وعلا- نعم.. يقطع الليل بالصلاة والتلاوة والذكر، التذييل: (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) هذا التذييل ما جاء عبث،أتى بعد ماذا؟ أتى تذييلاً لقوله: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ)

**الناس لهم منازل ومقامات، فكل له منزلته ومقامه، ولذلك لو قيل لك: إن فلان من الناس يختم كل يوم، قلت: مستحيل! يصلي ثلاثمائة ركعة! الإمام أحمد يصلي ثلاثمائة ركعة في اليوم والليلة، تقول: مستحيل! تقيس الناس على نفسك؟ مستحيل صحيح، لو يقول لك مثلاً: إنه يشرب قارورة الببسي هذه الكبيرة بنَفَس، قلت: مستحيل، لكنه موجود، كل إنسان على ما وَطَّن نفسه وتعود عليه، قد يشق على الإنسان في بداية الأمر أن يجلس فيقرأ جزء من القرآن متتابع، يعني من غير أن يقطع القراءة، لكن في النهاية يوجد من يقرأ العشرة وهو في مجلسه، ما غير جلسته! لا شك أن المسألة -أن الجسم- على ما اعتاد عليه.

العُجب.. آفة الآفات.. ولو كان صاحبه من أهل روضة المسجد!

**إذا أعجب الإنسان بما حصل له من علم هذا في غاية الجهل، والعجب بالنفس والإعجاب بها آفة، آفة من الآفات ومن أخطر الأمور على دين الإنسان
 والعجب فاحذره إن العجب مجترف***أعمال صاحبه في سيله العرم
فإعجاب الإنسان بنفسه آفة؛ لأنه إذا أعجب بنفسه متى يعرف ما تشتمل عليه هذه النفس من نقائص وعيوب وخلل ومخالفات، ليعالج هذه النقائص؟

**من أعجب بنفسه فقد ادعى لها الكمال، من أعجب بنفسه احتقر غيره، ولا شك أن العجب آفة، وهو قبيح بالنسبة لعموم الناس، وهو في من ينتسب إلى العلم وطلبة العلم أقبح.

** تجد الإنسان في روضة المسجد يقرأ القرآن، فإذا خرج زيدٌ من الناس قال: هاه، وين يبي؟ ويش اللي يطلعه؟ يا أخي انشغل بنفسك، اشتغل بعيوبك، اترك الناس، وما يدريك أنه انصرف إلى عمل أفضل من عملك؟ وإذا قام آخر أتبعه بصره إلى أن يخرج مع الباب! مثل هذه التصرفات تورث الإعجاب، فعلى الإنسان أن يغفل عن عيوب الناس وينشغل بعيبه، نعم.. إذا لاحظت على أحد شيء فابذل له النصيحة بينك وبينه، والدين النصيحة، أما أن تتبعه نظرك وتشيعه بلسانك، هذا ليس من شأن المسلم فضلاً عن طالب العلم، والله المستعان.

إقرأ القرآن.. فهو لا يكلف شيئاً..!

من هم أهل الله وخاصته؟

أهل العناية بكتاب الله -جل وعلا- هم أهل الله وخاصته. ?ويقرر ابن القيم -رحمه الله تعالى- أن أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته هم أهل العناية به والاهتمام بقراءته وتدبره وترتيله والعمل به، يقول -أي ابن القيم-: هم أهل القرآن وإن لم يحفظوه. على أنه جاء في الحفظ على وجه الخصوص ما جاء من نصوص تحث عليه، لكن لا ييأس من لم يستطع حفظ القرآن، تكن له عناية بالقرآن.

كيف يعتني بالقرآن من لم يحفظ القرآن؟

أن يكون له ورد يومي من القرآن، يعنى بكتاب الله -جل وعلا-، ينظر في عهد ربه، بحيث لا تغيب شمس يوم إلا وقد قرأ حزبه من القرآن، والمسألة تحتاج إلى همة، تحتاج إلى عزيمة، والتسويف لا يأتي بخير، وأما من يقول إذا فات ورد النهار قرأناه في الليل.. فات ورد الليل نضاعف حزب الغد، هذا ما ينفع هذا. ? أناس نعرفهم إذا جاء وقت الورد -وقت الحزب- وهو في سفر، في الطريق، في البراري والقفار يلبق -أي يوقف- السيارة يقرأ حزبه ويواصل إذا لم يحفظ، هنا لا يضيع الحفظ بهذه الطريقة. ?

** من حدد لنفسه ورداً وحزباً يومياً بحيث لا يفرط فيه مثل هذا يفلح. ولا يفرط في نصيبه من القرآن.

القراءة في (سبع) أو (ثلاث) لا تكلف شيئا!

** تلاوة القرآن لا تكلف شيئاً ، لا تكلف شيئاً، يعني بالتجربة من جلس بعد صلاة الصبح إلى أن تنتشر الشمس قرأ القرآن في سبع، يعني في كل جمعة يختم القرآن، ما تكلف شيئاً، المسألة تحتاج إلى ساعة، لكن مع ذلكم تحتاج إلى همة.. تحتاج إلى همة، أما من يقول: إذا جاء الصيف والله الآن الليل قصير، فإذا طال الليل أجلس بعد صلاة الصبح -إن شاء الله- وإذا جاء الشتاء قال: والله براد إذا دفينا شوي جلسنا، ومعروف برد الفجر في الشتاء، إذا قال مثل هذا لن يصنع شيئاً. ? ومعروف أنه يوجد أُناس ما ينامون بالليل ويجلسون بعد صلاة الصبح؛ لأنهم اعتادوا هذا ووطنوا أنفسهم على هذا، وجعلوا هذا جزءا من حياتهم كغدائهم وعشائهم، كأكلهم وشربهم، ما يفرطون في هذا. وقد جاء الأمر بذلك - أي القراءة في سبع- في حديث عبد الله بن عمرو: (اقرأ القرآن في سبع ولا تزد)، نعم لا يزيد على سبع؛ لأنه مطالب بواجبات أخرى لكن الذي عنده من الفراغ أكثر وارتباطاته العامة أقل؛ مثل هذا لو قرأ القرآن في ثلاث ما كلفه شيئاً، يزيد ساعة من بعد صلاة العصر يقرأ القرآن في ثلاث.

أنواع قراءة القرآن

**إذا جلس إلى أن تنتشر الشمس يقرأ السبع بدون أي مشقة -سبع القرآن- فتكون هذه القراءة بتعهد القرآن والنظر في عهد الله -جل وعلا- في هذا الكتاب، وأيضاً من أجل اغتنام الأجر المرتب على الحروف على أقل الأحوال، ويكون له ساعة أيضاً من يومه قراءة تدبر يقرأ فيها ولو يسيراً، يراجع عليه ما يشكل من التفاسير الموثوقة، وبهذا يكون من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته.


** "ولا يدع القرآن رغبة إلى غيره" مع الأسف أن كثير من المسلمين انشغلوا عن القرآن بالقيل والقال، والصحف والمجلات والقنوات، تجد بعض طلاب العلم عنده استعداد يفلي الجرائد كلها، أو الموظف بعد ما يطلع من وظيفته إلى أن ينام وهو يقلب الجرائد، على شان إيش؟ ماذا تستفيد من هذه الجرائد؟ هذا خبر سيء، وهذا تهكم بالدين، وهذا استهزاء بالمتدينين، وهذه صورة عارية، وهذا خبر..، و هذا ديدن كثير من الناس، ويمر عليه اليوم واليومين والأسبوع والشهر ما فتح المصحف، إن تيسر له أن يحضر إلى الصلاة قبل الإقامة بدقيقتين، ثلاث، خمس قرأ قراءة الله أعلم بها، قرأ له ورقة ورقتين، وبعض الناس ما يعرف القرآن إلا في رمضان، هذه مشكلة! ولذا يقول: "ولا يدع القرآن رغبة إلى غيره" نعم هناك علوم يعني لا يشمل هذا الكلام النظر في السنة مثلاً، أو في العلوم المساندة التي تعين على فهم القرآن.

قراءة الهَذْ

س: ذكرتم أنه يجب على الإنسان المحافظة على قراءة القرآن، وإن لم يحصل له إلا أجر الحروف، وهناك من يقول: لا بد لقارئ القرآن من التدبر لما يقرأ، ومن قال: لا تهذوا القرآن كهذ الشعر؟

ج: على كل حال جاءت النصوص بمن قرأ، والقراءة تحصل بالهذ، وجاء في المسند والدارمي بإسناد لا بأس به (كما كنت تقرأ في الدنيا هذاً كان أو ترتيلاً) فلا تحجر واسع، الهذ له أجره، وأجر الحروف، ويبقى أن التدبر منزلة عليا، يعني من ختم القرآن مرة واحدة بالتدبر والترتيل على الوجه المأمور به، أو ختمه عشر مرات بالهذ، ابن القيم يقول: كمن أهدى درة، ختم مرة واحدة بالتدبر أهدى درة ثمينة نفيسة جداً، وهذا أهدى عشر درر ما تساوي شيء بالنسبة للدرة الثمينة، لكن له أجرها.

التسويف!

لكن المشكلة التسويف، هذا الإشكال، والله إذا دفينا إذا بردنا ما ينفع يا أخي، ينتهي العمر وأنت ما دفيت، أو الآن والله انشغلنا.. جاءنا ما يشغلنا نجعل نصيب النهار إلى الليل، ثم جاء الليل والله جاءنا ضيف، جاءنا كذا، والله الإخوان مجتمعين بالاستراحة، أو...، ما يجدي هذا، هذا ما يمشي، فإذا اقتطع الإنسان من وقته جزءاً لا يفرط فيه مهما بلغت المساومة، مهما بلغت المغريات حينئذ يستطيع أن يقرأ القرآن بالراحة في كل سبع.

(يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ)

أي يبخل (يشرح الشيخ سبب إيراد أثر سعيد بن جبير الوارد في الكتاب وليس هذا تفسير الآية) في باب العلم و لا ينفق مما أعطاه الله من علم، ولا يحث الناس؛ بل يثبط من رآه يُعلِم الناس، أنت ما أنت بملزوم، أنت ما أنت بمكلوف، أنت تعرض نفسك لكذا، أنت...، ويحفظ بعض ما جاء في مسائل ورع السلف، وهو لا هو بمشتغل ولا هو مخلي الناس يشتغلون، وقصده من ذلك التبرير لنفسه وتحطيم الناس وتثبيطهم عن فعل الخير، وهذا مشاهد في كافة وجوه الخير.

** تجد شخص يذهب إلى مكة لأداء العمرة ولزوم بيت الله في الأيام الفاضلة، وينفق في العشر الأواخر -عشرين ألف مثلاً- يأتيه من يأتيه يقول: هذه العشرين الألف، و هذا نفع لازم، وهناك فقراء محتاجين، لو أنفقت هذه العشرين على خمس أسر تغنيهم أيام رمضان وما بعد رمضان أفضل من كونك تترك بلدك وتذهب، لكن هل الناصح هذا وهو أكثر غِنَىً -يعني أغنى من المنصوح- هل هذا دفع شيئاً؟ لن يدفع، لكنه يريد أن يحرم هذا العمرة والمجاورة والأوقات الفاضلة ومضاعفة الصلوات. فمثل هذا يخذل الناس ولا هو مطلع شيء.

** ومثله أيضاً بعض من ينتسب إلى العلم تجده محروماً، محروم لا يريد أن يعطي، وإذا رأى شخصاً نفع الله به وبذل من نفسه، يقول: يا أخي السلف كانوا يتورعون ويتدافعون، وهذه مزلة قدم، ويأتي له بنصوص عن السلف فإن لم ينفع باب السلف أتى له من باب الخلف.. هذا حرمان يا إخوة، هذا الحرمان بعينه، (يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ)، فهذا لن ينفع ولن يترك الناس ينفعون، ومع الأسف أن مثل هؤلاء لهم وجود. ?

**وأحياناً قد لا يكون من سوء نية، بل قد يكون من تلبيس الشيطان عليه، مثل شخص عنده دروس مرتبة ومنظمة وإذا جاء رمضان أوقف الدروس، طيب لماذا أوقفت؟ هذا وقت مضاعفة الأجور؟ قال: يا أخي السلف ما يخلطون مع القرآن شيء، لا يحدثون ولا يعلمون ولا شيء، هذا شهر القرآن، ويغلق الكتب حتى ينتهي الشهر، وهو بالنهار نائم، صائم نائم، وبالليل في الاستراحة إلى الفجر، هل هذا هدي السلف؟ لا ليس هدي السلف، هذا من تلبيس الشيطان عليه، وقد يقوله لغيره، قد ينقل هذا لغيره، وقد يستدل بالإمام مالك؛ ما يحدث في رمضان، يقبل على المصحف، لكن هات مثل مالك، اشتغل مثل مالك.!

** ومن الناس من إذا قيل له: إن فلان يقرأ القرآن في رمضان في يوم جاء بالأحاديث المتشابهة، لا يفقه من يقرأ القرآن في أقل من ثلاث، إذا قيل له ثلاث، قال: الرسول قال لابن عمر:((أقرأ القرآن في سبع ولا تزد)) وختمة مع التدبر، وهو لا هو قاري لا بتدبر ولا بغير تدبر، لكن كما قال الله: (يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ)، وأمثلة هذا كثيرة وموجودة في الواقع، لكن ومع ذلكم يوجد -ولله الحمد- من العلماء الربانيين الباذلين ما يكفي حاجة الأمة ولله الحمد، فالخير موجود.

حيٌ مَيِّت ومَيَّتٌ حي

**العمر إذا لم يفنَ فيما ينفعه في الآخرة فلا قيمة له، يعني كون الإنسان يستمر السبت الأحد الاثنين الثلاثاء الأربعاء، ثم الأسبوع الثاني كذلك، ما في جديد، مثل هذا حياته وعدمه واحدة، إذا لم يكتسب ما يقربه إلى الله -جل وعلا-، ولذا يقول الشاعر:
عمر الفتى ذكره لا وطول مدته*** وموته خزيه لا يومه الداني
فحقيقة بعض الناس، يكون بين الناس يأكل ويشرب ويروح ويجي ويبيع ويشتري وهو في حكم الأموات، لأنه لا يزداد قرباً من الله، هذا إذا لم يكن الأموات أفضل منه؛ لأنه يزداد من الله بعد! وبعض الناس وهو ميت في التراب -في القبر- هوحي بين الناس يفيدهم وينفعهم، بعض الناس يجري عليه عمله مئات السنين، وبعض الناس تكتب عليه أوزار الناس؛ لأنه تسبب فيها مئات السنين، كما قال الله -جل وعلا-: ( إنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ).

* * *

0
تدبر القرآن وتعليم التفكير

إنّ من أظهر الأدلة على عناية القرآن الكريم بالتفكير والاهتمام به, ما جاء في ثناياه من أمرٍ بتدبره في آيات عديدة, منها قوله جلّ شأنه: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} وكذا قوله تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ}.
           
وتدلّ هذه الآية الكريمة على أن الغرض الأساس من إنزال القرآن هو: التدبر والتفكر في معانيه ومقاصده وأحكامه, لامجرد التلاوة على عظم أجرها.

والمقصود بتدبر القرآن: هو التفكر الشامل في معاني عباراته ودلالاته, مع التفهم لمقاصده ومراميه البعيدة.

يقول ابن القيم -رحمه الله- في بيان أهمية التدبر:
" ليس شيءٌ أنفع للعبد في معاشه ومعاده من تدبر القرآن، وجمع الفكر على معاني آياته, فإنها تطلع العبد على معالم الخير والشرِّ بحذافيرهما, وتعطيه فرقانًا ونورًا يفرّق به بين الهدى والضلال, وتعطيه قوةً في قلبه وحياةً واسعة, وانشراحًا وبهجة وسرورًا, فيصير في شأن والنّاس في شأن آخر".

ولأهمية التَّدبر وعظم شأنه فقد نهى رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- عن ختم القرآن في أقل من ثلاث ليال, كما في الحديث عن عبد الله ابن عمرو ابن العاص -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: (لا يفقه من قرأ القرآن في أقلَّ من ثلاث) أخرجه أبو داوود والترمذي وقال: حسن صحيح.
ومن حكمة هذا النهي: أن الختم في أقل من ثلاث؛ يضعف معه التدبر ويقل. ويدل الحديث على أن فقه القرآن وفهمه والتفكر في معانيه ومراميه أفضل وأنفع من التلاوة بدون ذلك.

أحبتي في الله: لو سُئل أحدنا: أيهما أفضل: قراءة عشرة أجزاء في ليلة؟ أو تدبر آيةً واحدةً في ليلة بأكملها؟؟ في ظنكم ماذا سيكون جواب الأكثرين؟؟
في الغالب أن حال كثيرٍ من الناس وواقعهم يدل على تفضيلهم للكثرة على القلة, وتقديمهم للكم على الكيف, وهذا يدل على خلل في تفكير بعضنا.

يقول ابن القيم:
" قراءة آيةٍ بتفكر وتفهم, خيرٌ من قراءة ختمة بغير تدبرٍ وتفهم".

وبما أن خير الهدي هدي محمدٍ -صلَّى الله عليه وسلَّم- فقد كان من حاله -عليه الصَّلاة والسَّلام- ما ورد في الحديث الثابت الذي رواه أبو ذر -رضي الله عنه- قال: "صلّى رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- ليلةً فقرأ بآية حتى أصبح, يركع بها, ويسجد بها". وهذا يدل على أنّه -عليه الصَّلاة والسَّلام- فضّل التدبر على كثرة التلاوة فقام ليلته تلك يقرأ آيةً واحدة فقط.

ومما يُستدل به على فضل تدبر القرآن: ما رواه أبو هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: (ما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله, يتلون كتاب الله , ويتدارسونه بينهم, إلا نزلت عليهم السكينة, وغشيتهم الرحمة, وحفَّتهم الملائكة, وذكرهم الله فيمن عنده).
فنزول السكينة والرحمة وحضور الملائكة وذكر الخالق -عزّ وجل- لأولئك القوم, لم يكن بسبب التلاوة فقط, كما يُفهم من الحديث:فقد كانوا مع تلاوتهم, يتدارسونه بينهم أي: يتدبرون ألفاظه, ومعانيه, وتراكيبه, مع التفكر في ذلك كله, سعيًا للوصول إلى الفهم الصحيح, والعمل به, وهكذا كان شأن الصحابة -رضوان الله عليهم- في اهتمامهم بتدبر آيات الكتاب الكريم.
فعن ابن مسعودٍ قال: "كان الرّجل منّا إذا تعلّم عشر آيات لم يُجاوزهنّ, حتى يعرف معانيهنّ, والعمل بهنّ", وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: "تعلم عمر -رضي الله عنه- البقرة في اثنتي عشرة سنة، فلما ختمها نحر جزورًا". وطول المدة ليس عجزًا أو تكاسلًا من عمر -رضي الله عنه-، ولكنه التدبر والتفكر.

أيها الإخوة الكرام: ومن الأمور المعينة على تدبر القرآن وتفهمه ما يلي:
أولًا: الإخلاص لله عزّ وجلّ, وتصحيح القصد, وتفريغ النفس من شواغلها, وحصر الفكر مع القرآن.
ثانيًا: التلاوة بتأنٍ واسترسال, بعيدًا عن الاستعجال والسرعة مع الخشوع والتأثر. وقد وصف أحدهم قراءة الفضيل ابن عياض فقال: "كانت قراءته حزينةً, شهية, بطيئةً, مترسلة, كأنه يخاطب إنسانًا".
ثالثًا: الالتزام بفهم السلف الصالح وتفسيرهم للقرآن, ويتحقق ذلك بالرجوع إلى التفاسير المشهورة على منهج السلف, أو إلى أحدها على الأقل, والرجوع إلى أقوال العلماء في التفسير يعين على التدبر, كما قال إياس بن معاوية -رحمه الله-: "مثل الذين يقرءون القرآن وهم لا يعلمون تفسيره, كمثل قوم جاءهم كتابٌ من ملكهم ليلًا وليس عندهم مصباحٌ فتداخلتهم روعة, لا يدرون ما في الكتاب, ومثل الذي يعلم التفسير كرجلٍ جاءهم بمصباح فقرءوا ما في الكتاب".
رابعًا: التمكن من قواعد علوم التفسير وأصوله, مع الاستعانة بما كتبه بعض العلماء في العصر الحديث في قواعد التدبر ووسائله.
خامسًا: الوقوف مع الآية التي يقرأها المرء وقفةً متأنية فاحصة ويكون ذلك بالنظر في معاني كلماتها, وتراكيب جملها, وترتيب سياقها, وسبب نزولها, وما يدخل في الآية من باب النزول, ومفهوم المخالفة, إلى غير ذلك.
سادسًا: التعرف على المقاصد الكبرى, والمحاور الرئيسة, والخطوط العريضة, لكل سورة من سور القرآن الكريم.
سابعًا: مراعاة مناسبة الآيات, ويتحقق هذا بالتساؤل عن علاقة الآية السابقة بالتي تليها, وبما قبلها.ومن أنفع الكتب في معرفة هذا الأمر: (تفسير البقاعي المسمى: بنظم الدرر في تناسب الآي والسور).
ثامنًا: الموازنة بين الواقع المعاصر, ومضمون الآية ومعناها, بحيث يجعل أحدنا من الآية منطلقًا لعلاج حياته وواقعه, وميزانا لما حوله وما يحيط به, فيتلو القارئ وهو يستشعر أن القرآن كأنه خطاب من الخالق له.
قال ابن القيم -رحمه الله-:
" إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه, والقِ سمعك, واحضر حضور من يخاطبه به,(من تكلم به سبحانه), فإنه خطابٌ منه لك, على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم".

اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا, ونور صدورنا, وجلاء أحزاننا وذهاب همومنا, وصلى الله وسلم على عبده ونبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين..

0
هل العيد مبارك حقاً ؟

لم أعرف في حياتي عيداً مر على المسلمين وليس لهم فيه مأساة في شرق الأرض أو في غربها  لذلك لن أُرَدِّدَ كما فعل آخرون  قول المتنبي (عيد بأية حال عدت ياعيد) فنحن أمة اعتادت إعطاء العيد حقه حتى وهي في قلب المأساة فكيف بها إذا كانت المأساة على مشارفها أو أطرافها , كل المسلمين حتى الذين في درعا وحماة وحمص ودير الزور وريف دمشق والذين بأرص الروهنج في ميانمار وأثيوبيا  سيعطون العيد حقه ويفرحون به وبعضهم ينفض الغبار عن ثياب بعض من آثار دفن شهدائهم , وربما يتوجهون من مصلى العيد لدفن جثثٍ أخرى أو نقل جرحى آخرين أو رفع أنقاض أسقطها للتو طيارون لا يعرفون لمسلم حرمة فمن باب أولى أن لا يعرفوا حرمة  لشهر أو عيد.

     سوف تتوجه الثكلاوات إلى مصلى العيد وعلى آثارهن  اليتامى , وسوف يذهبُ إليه الجرحى والمعاقون , لن يتخلف أحدٌ عن مشهد يوم العيد , وسوف تسمعهم يرددون لبعضهم رغم كل تلك الجراحات والآلام : عيدكم مبارك , عيدكم مبارك , عيدكم مبارك.

    الأعجب من ذلك أنك ستشاهد من الثكلاوات من سهرت ليلها تصنع حلوى العيد بما بقي عندها من دقيق وما بقي عند جاراتها من لبن وسُكَّر, وستقابل في المصلى من أطفالهن اليتامى من يحمل صحن الحلوى يطوف بها بين المصلين وهو يردد أمامهم : عيد مبارك , ويردون عليه العبارة ذاتها عيد مبارك.

    سيذهب الجميع لصلاة العيد تاركين بيوتهم والعاجزين من أهلهم وكلٌ منهم غيرَ آمنٍ أن يكون هذا يومه  الأخير على وجه الأرض , فقد تعلوهم الطائرات في المصلى أو يقصفهم الشبيحة في الطريق إليه , ومع ذلك قال كلٌ منهم لصاحبه : عيد مبارك عيد مبارك.

    ليست هذه الصورة خيالاً أو أمانيَّ حالمة , بل قد شهدنا أمثالها  في سوريا نفسها , وفي فلسطين وليبيا وغربي الصين وأفغانستان والبوسنة والهرسك والشيشان  والصومال وأثيوبيا وأوغادين .

   كأني بفرحة العيد في قلب المسلم لها زاويتها الخاصة حيث لا تُفسدها الأحزان والألام  , بل تعمل هي على تجديد عطاء القلوب وتُشِعُ فيها قوة الصبر وتُشِيعُ فيها ضياء الأمل .

   وكأني بها زاويةٌ في القلب لديها قُدرة من عطاء الله سبحانه  على تحويل فرحة العيد إلى مصل يعمل على تسكين الألم وبعث الأمل وقتل اليأس وإحياء الرجاء.

    تأمَّلَ كثيرون في أسرار حُلُول أعياد الإسلام في أعقاب عبادَتَي الصوم والحج , وعن سر افتتاح يومي العيد بعبادتي الصلاة و الخطبة, ولم أجد من يكشِف هذه الأسرار مثل واقع المسلمين حين يستشعرون هذا المعنى وهم في أحلك الأوقات وأصعب الأزمات , فيكون عيدهم صلة بينهم وبين خالقهم الذي ( يُدَبِّرُ الأمر مِن السماء إلى الأرض ثُمَّ يَعرُجُ إليه في يوم كان مِقدارُه ألف سنة مما تعدون) السجدة 5 فيوقنون أن تدبيرهم إنما هو من تدبيره عز وجل , فلا ملك إلا لمن آتاه الله الملك , ولا عز إلا لمن أعزه الله ولا ذُل إلا لمن أذله  الله ( قل اللهم مالك الملك تُؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتُذِل من تشاء بيدك الخير إنك على كلِّ شئٍ قدير)آل عمران 26

    إن حياة العيد في أجواء من العبادة يُعيد النفس إلى تأمل سنن الله في الكون , فيوقن المُسلم أن للمصائب أسباباً من عند نفسه (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير) الشورى 30  ومن سُنن الله في كونه أن مصائب المؤمنين قرابينهم للآخرة (أحسب الناسُ أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) العنكبوت 2-3 , فهي ابتلاء لما القلوب وتمحيص لها ( وليبتليَ الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور)آل عمران .

    ثم يعلمون أن الإيمان والتقوى هما ما ينبغي أن يقابلون به الابتلاء والتمحيص لتكون العاقبة تمكيناً واستخلافا وأمنا ( وَعَدَ اللهُ الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ولَيُمَكِّنَنَّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم ولَيُبَدِّلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يُشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) النور 55

     كل تلك القناعات الإيمانية يعتلج بها قلب المسلم وهو يُمضي العيد في خَضم الابتلاءات فلا يملك إلا أن يفرح بعيده ويقول صادقا من قلبه : عيد مبارك.
 
تعريب وتطوير محمد محمود
شخبطة © 2011 | عودة الى الاعلى
محمد محمود