0
جهاد الطلب و(سيادة الأمة)!

مما يملأ القلب كمداً أن تصبح شريعة الجهاد لإعلاء كلمة الله غريبة بين المسلمين بسبب ضغط الثقافة الغربية المهيمنة، غريبة حتى بين أهل المكان الذي أنزل الله فيه على نبيه : [قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِاليَوْمِ الآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ] {التوبة:29}  
ومما يحزن أن ترى أحفاد الصحابة الفاتحين يغفلون عن حِكم الجهاد العظيمة ، بل ربما صادفت منهم من ينفي جهاد الطلب لأنه يخالف الحرية!
نحن حينما نعتقد اعتقاداً جازماً أن الله أمرنا بتبليغ هذا الدين وإلزام الناس به فنحن نعتقد أن شريعة الله هي كمال العدل يقيناً وقطعاً، وأن الله أمرنا بالعدل ونهى عن الظلم، فكل من لم يقبل أن تسود شريعة الله فهو ظالم يستحق العقوبة: [وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ] {المائدة:50} [وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] {المائدة:45}  
كيف يكون الجهاد لإعلاء كلمة الله في البلدان كلها ظلماً والأرض كلها لله والخلق خلق الله وشريعة الله أكمل الشرائع وأعدلها؟! كيف يصبح تطبيق شريعة العدل الكامل في الظالمين الرافضين للعدل ظلماً لهم؟!
جاء كتاب (سيادة الأمة) مقرراً في آخر مسائله أن الجهاد في الإسلام مبرره الدفاع فقط، ولا شك أن جهاد الطلب يهدم فكرة الكتاب كلها.
نقل المؤلف كلاماً مشتبهاً لابن تيمية وابن القيم على غير وجهه تسبب في إفهام بعض القراء نسبة القول بمنع جهاد الطلب لهما رحمهما الله، وهو كلام مغلوط سأبين وجه خطئه في هذا المقال بإذن الله.
قبل أن أبين ذلك أود أن أنقل بعض النصوص عن الفقهاء من المذاهب الأربعة يتبين منها أن جهاد الطلب أمرٌ مستقرٌ في المذاهب الأربعة، وأن أي محاولة لإلغاء جهاد الطلب من التراث الفقهي ستكون محاولة فاشلة تفضحها دواوين المذاهب الأصيلة .
قال المرغيناني الحنفي صاحب كتاب الهداية:
" وقتال الكفار واجب وإن لم يبدؤوا ؛ للعمومات" . الهداية (2/809)
وقال :
" ولا يجوز أن يقاتل من لم تبلغه الدعوة للإسلام إلا أن يدعوه لقوله عليه الصلاة والسلام في وصية أمراء الأجناد ((فادعهم إلى شهادة ألا إله إلا الله)) ولأنهم بالدعوة يعلمون أنّا نقاتلهم على الدين لا على سلب الأموال والذراري فلعلهم يجيبون فنكفى مؤنة القتال".    الهداية (2/812)
وقال ابن رشد المالكي في بداية المجتهد :
" فأما الذين يُحارَبون فاتفقوا على أنهم جميع المشركين لقوله تعالى : ((وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله )) ، إلا ما روي عن مالك أنه قال : لا يجوز ابتداء الحبشة بالحرب ولا الترك ، لما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال : ذروا الحبشة ما وذرتكم ..." (1/384)

ولا خلاف بيننا وبين أصحاب سيادة الأمة أن الحبشة أو الترك لو بدؤونا فإنّا ندفعهم، فهذا النقل واضح جداً في محل النزاع.
وقال الإمام الشافعي في الأم :
" دل كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم على أن فرض الجهاد إنما هو على أن يقوم به من فيه كفاية للقيام به حتى يجتمع أمران:
أحدهما: أن يكون بإزاء العدو المخوف على المسلمين من يمنعه. [ وهو ما نسميه جهاد الدفع ] والآخر: أن يجاهد من المسلمين من في جهاده كفاية حتى يسلم أهل الأوثان أو يُعطي أهل الكتاب الجزية" [ وهو ما نسميه جهاد الطلب ]    (5/ 383)   الكلام بين الأقواس من إدراجي للتوضيح وليس من كلام الشافعي.
وقال :
" فإن كانت بالمسلمين قوة لم أُحب أن يأتي عليه عام إلا وله جيش أو غارة في بلاد المشركين الذين يلون المسلمين من كل ناحية عامة، وإن كان ذلك يمكنه في السنة مراراً بلا تغرير بالمسلمين أحببت ألا يدع ذلك كلما أمكنه. وأقل ما يجب عليه ألا يأتي عليه عام إلا وله فيه غزو حتى لا يكون الجهاد معطلاً في عام إلا من عذر".      (5/ 388)
وقال أبو المعالي الجويني الشافعي في نهاية المطلب:
" إذا كان الكفار قارّين في ديارهم غير متعلقين بأطراف ديار الإسلام فمقاتلتهم فرض على الكفاية". (17/397)
وقال ابن النجار الحنبلي في منتهى الإرادات :
" وأقل ما يُفعل -أي الجهاد- مع قدرة كل عام مرة إلا أن تدعو حاجة إلى تأخيره". (1/219)
ونقولاتهم في هذا أكثر من أن تحصر في مقال قصير .
يتبقى اعتراض مهم دائماً ما يرفعه أصحاب حرية الكفر وهو : أن هذا من الإكراه في الدين ويستدلون بآية [أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ] {يونس:99}  وبآية [لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ] {البقرة:256}  وغيرها من الآيات.
وللإجابة عن هذا الاعتراض أقول :
أولاً : هناك أكثر من خمسة أقوال في معنى (لا إكراه في الدين) كلها لا تدل على معنى ما يطرحه هؤلاء، والعجيب أن من هؤلاء من يعيب على بعض الخطابات الشرعية التربية على القول الواحد ثم هم يمارسونه في أبشع صوره ، بل وبفهم مغلوط حتى لهذا القول الواحد !

ثانياً : أن الآيات كلها تتناول الإكراه في الدين ولا تتناول الإلزام بالشرع فزال التعارض بينها وبين الآيات الدالة على جهاد الطلب التي مقصوها دعوة الناس والإلزام بالشرع لا إجبارهم على الإسلام كقوله تعالى : [قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِاليَوْمِ الآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ] {التوبة:29}  وقوله: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الكُفَّارِ] {التوبة:123}  فإخضاع الكفار لدولة الإسلام وإلزامهم بحكمنا لا علاقة له بإجبارهم على الدين فنحن لا نجبرهم على الدخول في دين الإسلام، كل هذا طبعاً على التسليم بالمعنى الذي ذكروه وأنه غير منسوخ، وإلا ففي معنى آية (لا إكراه في الدين) أقوال أخرى تراجع في كتب التفاسير .
أما وجه المغالطة في ما ذُكر في ( سيادة الأمة )، فهو أن صاحب الكتاب خلط بين مسألتين مختلفتين: 
1- حكم جهاد الطلب وجهاد الدفع.
2- هل علة القتل الكفر أم القتال؟
أورد صاحب الكتاب نصوصاً لابن تيمية وابن القيم في المسألة الثانية، في سياق يوهم أنهما يتحدثان في المسألة الأولى ويلغيان جهاد الطلب ، ويقولان بأن الجهاد إنما هو للدفع فقط، وهذا غلط ظاهر.
فهما كبقية الفقهاء يقولان بجهاد الطلب ، وأما تلك النقول فإنها في مسألة علة القتل ، ومعنى المسألة باختصار : في جهاد الطلب، من نقتل ؟ هل نقتل كل كافر؟ أم نقتل من كان من أهل القتال أو خرج لقتالنا؟
قول الجمهور: أنه لا يقتل إلا من كان من أهل القتال ومن يعاندنا إذا أردنا إظهار دين الله، أي من يرفض التخيير بين الإسلام أو الجزية ويختار القتال.
قول الشافعية: أن القتل لكل من كان كافراً، واستثنوا النساء والصبيان.
هذه مسألة مختلفة، يرى ابن تيمية وابن القيم فيها رأي الجمهور ، أما قولهما في جهاد الطلب فتبينه النقول التالية:
يقول ابن تيمية:
" كل من بلغته دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دين الله الذي بعثه به فلم يستجب له فإنه يجب قتاله" .   السياسة الشرعية 153
بل يقول في نص يلغي فكرة سيادة الأمة بالمعنى الذي يطرحه صاحب الكتاب بشكل واضح : 
" كل طائفة خرجت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، فإنه يجب قتالها باتفاق أئمة المسلمين وإن تكلمت بالشهادتين، فإذا أقروا بالشهادتين وامتنعوا عن الصلوات الخمس وجب قتالهم حتى يصلوا..... وكذلك إن امتنعوا عن الحكم في الدماء والأموال والأعراض والأبضاع ونحوها بحكم الكتاب والسنة". مجموع الفتاوى (28/510)

ومما أحب نقله - استطراداً - مما يزيد وضوح المجافاة بين رأي ابن تيمية وبين ما يطرحه صاحب (سيادة الأمة) قول ابن تيمية :
" ومن لم يندفع فساده إلا بالقتل قتل، مثل المفرق لجماعة المسلمين، والداعي إلى البدع في الدين". مجموع الفتاوى (28 / 108-109) وأصحاب الديمقراطية يمنعون أي عقوبة على مجرد الرأي المبتدع أو الدعوة إليه فضلاً عن القتل !
وفي نفس الكتاب الذي نقل منه صاحب (سيادة الأمة) (كتاب قاعدة في قتال الكفار ومهادنتهم) ثلاث كلمات لابن تيمية لا أدري أين موقعها من فكرته :
- يجوز قتال اليهود والمجوس بالنص والإجماع حتى يعطوا الجزية . 148-149
- الأمَة المملوكة تُقتل للقصاص والردة . 189
- دار الإسلام لا يُترك فيها إلا مسلم أو كافر بجزية وصغار . 208
أما ابن القيم فيذكر بوضوح مراحل تشريع الجهاد فيقول :
" ثم فرض عليهم القتال بعد ذلك لمن قاتلهم دون من لم يقاتلهم فقال : ( [وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ] {البقرة:190}  ثم فرض عليهم قتال المشركين كافة، وكان محرماً ثم مأذوناً به ، ثم مأموراً به لمن بدأهم بالقتال ، ثم مأموراً به لجميع المشركين إما فرض عين على أحد القولين، أو فرض كفاية على المشهور" .    زاد المعاد (3/64)
بل قال في الفروسية :
" جهاد الدفع يقصده كل أحد، ولا يرغب عنه إلا الجبان المذموم شرعاً وعقلاً، وجهاد الطلب الخالص لله يقصده سادات المؤمنين" . اهـ
هذا هو ابن القيم الذي أفهَمنا بعضهم رأيه خطأً، لا يقول بمشروعية جهاد الطلب فقط، بل يعتبر القائم به من سادات المؤمنين !
إن الحديث عن شروط جهاد الطلب، وعن ضرورة مراعاة المصالح العظمى للإسلام، أو الحديث عن بعض الأخطاء في تطبيق بعض المسلمين للجهاد وانتقادها ، إن هذا كله شيء، ومحاولة إلغاء شريعة الجهاد شيء آخر، فالخطأ لا يواجه بالخطأ من الجهة الأخرى، وإذا قوبل الانحراف بالانحراف ضاع الحق وغابت معالمه.
بكل تأكيد أننا حين ننقل نصوص الأئمة في جهاد الطلب فهذا يعني بالضرورة أن فكرة (سيادة الأمة) بالمعنى الذي يطرحه صاحب الكتاب سيصبح أمراً مرفوضاً عند أئمة الإسلام، فأين خيار الأمة الكافرة التي لا تريد شريعة الله؟ وهذا ما ذكره صاحب الكتاب نفسه حينما قال في كتابه : ( الجهاد القتالي بهذا المفهوم يعارض مبدأ سيادة الأمة إذا كان الهدف والمقصد منه إلزام شعوب العالم بالشريعة الإسلامية ) 189 
تعليق أخير : في جهاد الطلب كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث قواده لفتح البلدان ويأمرهم بتخيير الكفار بين الإسلام أو الجزية والرضوخ لدولة الإسلام، أو الحرب، ثم جاءنا أصحاب الديمقراطية يخيّرون الأمة المسلمة بين الإسلام أو الكفر !
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه .

0
معالم في العفة

لقد باتت الفاحشة المهدد الأكبر لإيمان الأمة بانتزاعه, وللشباب خاصة بسلبهم العفة التي في قلوبهم. بل أصبح الأعداء يضربون على هذا الوتر من خلال أدوات لا تكاد تخفى تبعاتها حتى على المتضررين منها.(انظر صراع مع الشهوات, محمد المنجد,ص19 -22).
وآتي هنا للوقوف مع مطلع سورة عظيمة من كتاب الله فُرضت على الأمة بصريح الآية, قال تعالى:" سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (1)"سورة النور.قال سيد قطب-رحمه الله- عن مطلع السورة:"ففرضية الآداب والأخلاق فيها كفرضية الحدود والعقاب. هذه الأداب والأخلاق المركوزة في الفطرة, والتي ينساها الناس تحت تأثير المغريات والانحرافات. فتذكرهم بها تلك الآيات البينات وتردهم إلى منطق الفطرة الواضح البين".
وبالتالي قد وجدت كغيري معالم العفة وموانع الفاحشة في سورة النور, يقول الشيخ بكر أبوزيد-رحمه الله-في حراسة الفضيلة:( وتأمَّل هذا السر العظيم من أسرار التنزيل، وإعجاز القرآن الكريم، ذلك أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر في فاتحة سورة النور شناعة جريمة الزنى، وتحريمه تحريماً غائباً، ذكر سبحانه من فاتحتها إلى تمام ثلاث وثلاثين آية أربع عشرة وسيلة وقائية، تحجب هذه الفاحشة، وتقاوم وقوعها في مجتمع الطهر والعفاف جماعة المسلمين، وهذه الوسائل الواقية: فعلية، وقولية، وإرادية), وأنا هنا أتدبر ولا أفسر, وقد حاولت رصد هذه المعالم والمعاني من نور الوحي الكريم علّ الله أن ينفع بها كاتبها وإخوته من المؤمنين والمؤمنات, وقد أسميتها معالم العفة, ومصطلح (معالم) كما ذكر جبران مسعود في معجم الرائد يعني: مايستدل به على الطريق من أثر أو نحوه, ومعالم العفة أي: الدلالات التي تدل على طريق العفة, فأبدأ مستعيناً بالله بذكر هذه المعالم:
1.        إقامة الحدود, يقول الرب -تعالى-:(الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ), وأشير لبعض المعالم هنا:
أ‌-   لا رأفة في حال تطبيق الحد ردعاً للغير, (وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ).
ب‌- أن يكون ذلك بحضور الناس, (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)؛ ليشهدوا ذلك ولما له من الأثر المجتمعي في قمع الرذيلة, وعدم السير خلفها.
ت‌- قد استمرء كثير الفاحشة والابتزاز ربما لندرة أو انعدام تطبيق شرح الله في هذه الجريمة, وإني أدعو إلى أن تؤخذ الأمور من المحاكم الشرعية بحزم تجاه هذه الكبيرة, وتطبيق شرع الله, وهو رحمة للفاعل, ورحمة للمجتمع.

2.        الإقصاء المجتمعي للزناة حتى من حيث الدلالة اللفظية, قال الله:( الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3)). فمن هذا الإقصاء يكرم العفيف والعفيفة, ويهان الزاني والزانية وقد قرن معهما المشرك والمشركة.ومن الإقصاء الوارد أيضا قول الله تعالى في سورة النور:" الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (26)".ولو تقرر في المجتمعات هبوط مكانة الزناة وأرباب الفواحش كماهو الحال في غالب مجتمعات المسلمين -والحمد لله- لعلا صوت العفة, وخشي مريدو الفاحشة من تفشي خبرهم وحالهم, والحال في الغرب شاهد على تفشي الفواحش لتطبع المجتمع عليها حتى يندر من تحتفظ ببكارتها دون سن البلوغ-نسأل الله العافية-.

3.        حرمة رمي المؤمنات وقذفهن والتعدي واللوك في الأعراض, قال الحق جلّ وعلا:"وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4)", وذلك لما فيه من نشر الفاحشة والتساهل في توسيعها؛ وإن كثرة الحديث في بيت من المسلمين قد توجه نبال التهم وأغراض المفسدين له, وهنا معالم:
أ‌- تحديد حد القذف لمن لم يأت بأربعة شهداء ثمانين جلده, وربما نرى أن جلب الأربعة شهود صعب المنال, ولكن الهدف منه الحد من التمادي في أعراض المسلمين, والستر عليهم.
ب‌-      من قذف دون الشهود الأربعة فقد حُكم عليه بـ: عدم قبوله شهادته وعده من الفاسقين. وقد كان هذا الجزاء من جنس عملهم, مقابل التساهل في قذف الأعراض.
ت‌-      باب التوبة مفتوح لمن تاب وأصلح, قال الله تعالى:"إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)", قال الشيخ السعدي-رحمه الله-: (يكذب نفسه ولو تيقن وقوعه, حيث لم يأت بأربعة شهداء,فإذا تاب القاذف وأصلح عمله بدل إساءته إحساناً, زال عنه الفسق, وكذلك تقبل شهادته على الصحيح).
ث‌-      رمي الزوجات شأنه عظيم, فهي أم الأبناء وربة المنزل وسيدته, ولذا عظم فيها الحكم, فمن لم يأت بالشهداء الأربعة فيكون اللعان الذي يقضي فيه القرآن نصاً, وذلك لما قد يحصل من تساهل بعض الأزواج من التهكم بعفة زوجته, أو النيل منها, وأيضاً جُعل للزوج حق في الشهادات الخمس لما قد يُعلم بالعرف صعوبة تهمة الزوج لامرأته وقذفها إلا أن يكون على يقين, فكان هذا الحكم عدل بين الزوجين.قال تعالى:" وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (9)". وقد ذكر الشيخ أبو بكر الجزائري-حفظه الله-  في أيسر التفاسير عن سبب نزول الآيات:(نزلت هذه الآيات في عويمر العجلاني مع زوجته خوله. فقد جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم, وقال: يارسول الله أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً أيقتله فيقتلونه أم كيف يفعل؟ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :"قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك" فأت بها فأتى بها وتلاعنا...).قال ابن حجر-رحمه الله- معلقاً على الحديث:( واللعان ينقسم إلى واجب ومكروه وحرام ، فالأول أن يراها تزني أو أقرت بالزنا فصدقها، وذلك في طهر لم يجامعها فيه ثم اعتزلها مدة العدة فأتت بولد لزمه قذفها لنفي الولد لئلا يلحقه فيترتب عليه المفاسد. الثاني أن يرى أجنبيا يدخل عليها بحيث يغلب على ظنه أنه زنى بها فيجوز له أن يلاعن ، لكن لو ترك لكان أولى للستر لأنه يمكنه فراقها بالطلاق, الثالث ما عدا ذلك), ولذا لاحظ تقديم مصلحة الستر في حال غلبة الظن, والحرمة لمادون ذلك من الوهم والشك..

4.        التثبت في نقل الأخبار والرواية, وتقديم الظن الحسن على سيئه دائماً, ومن قصة حادثة الإفك بعض المعالم:
أ‌-     ليس كل ما يُصاب به المؤمن أو يُتهم به شر له, فربما كان خيراً ونفعاً, فلولا اتهام عائشة لم زكاها القرآن وشهد بعفتها رب الأرباب-تبارك وتعالى-"إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ".
ب‌-   إحسان الظن بالمؤمن أمر رباني, ولا يجوز الجرأة في عرضه حتى يثبت شرعاً, بل يحسن الظن به, وتُذكر مناقبه قبل الاسترسال في سماع التهمه؛ لأن في عدم إدارك هذا المعنى قد يستشري في بعض الضعفاء انتقاص الأخيار ونقل مايزعم عنهم من سقطات-إن صدقت, وإن التساهل في رمي شرفاء القوم وعليتهم بتهمة الفاحشة هو إساءة للمجتمع ونسف لمعلم من معالم العفة, يقول الله تعالى:" لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12)".
ت‌-   إمرار ما يسمع المرء من الأخبار على العقل, وإبطال التكهنات وسرعة الحديث بما يسمع المرء فهذا رشد ودراية, روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة-رضي الله عنه-قال:قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع"؛ومفهوم المخالفة هنا: كفى بالمرء صدقاً ألا يحدث بكل ما سمع, وهي خصلة للمؤمنين العاقلين. وقد وصف الله بمن يخالف هذا المعلم بأنه يتلقى الخبر بلسانه كناية عن تعطيله لعقله, وهو نقص في العقل والإيمان, ومع ذلك فهو على سهولته في نظر صاحبه فإن شانه عند الله عظيم, وعذابه عسير, قال الله-تعالى-:" إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15)".
ث‌-   لابد من وعظ من يرمي أعراض المسلمين والناقلين لها, يقول الله:"يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (18)", ومن أعظم ما يزجر به متتبع العثرات هو الوعظ والزجر بالقرآن والتخويف من الله وعقوبته, ففي الدنيا إقامة الحد, ولا يقام الحد إلا على كبيرة, وفي الآخرة عذاب وقصاص. ولذا يقول الحق -سبحانه- في السورة نفسها :"إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (23) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (25) ".

5.        الاحتساب على أهل الفواحش, وكشف أجندتهم, قال الله -تعالى-:" إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (19) ". هنا وقفة مع من يحب أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا, وهم كثر في عصر مثل عصرنا, حيث الإعلام الفاسد, والأقلام الجائرة, والعقول المنحلة التي صهرت فئام من عقول الأمة في مستنقعها, وميعت كثيراً من مبادئ المسلمين, وغيرت شيئاً من التنظيمات المحافظة على الأعراض, ونددت بجهود المحتسبين القائمين على صيانة المجتمع من الفاحشة, فهؤلاء هم خطر جسيم على العفة ومعالمها, وقد سادهم المنافقون منذ عصر الرسول-عليه الصلاة والسلام-؛ فجهادهم وكشف مخططاتهم, وإزالة الغبش عن الناس تجاه مشاريعهم, هو مبدأ لابد أن يعلو في روح كل مؤمن تأخذه الغيرة على محارم المسلمين وأعراضهم, ولا يموت مع الإنسان إلا بانفلات روحه.

6.        التفطن لمداخل الشيطان وطرقه ومزالقه, فكثيراً من مهاوي الردى لا تُردي صاحبها من أول سقطة, بل دركات حتى الهاوية-والعياذ بالله-, والإنسان بطبيعته تنازعه شهوته وفطرته, وقد يسهو عن إصمات قلبه في التفكر بالملذات, وربما سابقه النظر لمشهد مثير, أو يتساهل في أحكام الاختلاط والتسوق فيقع في حبائل الشهوة والرذيلة, ولذا فيحذّر الله عباده المؤمنين وقد ناداهم بالإيمان دراية بحبهم للخير, وإدراكاً لاحتمالية سير الأكثرية خلف خطوات الشيطان نظراً لتلبسها على أكثرهم ونزعة الفرد لبشريته غالباً, فيقول الرب-تبارك وتعالى-:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (21)",
يقول شوقي:
نظرة فابتسامة فسلام     فكلام فموعد فلقاء
ومن الخطوات والمصائد سماع الغناء, واللهو ويدخل فيه والعلم عند الله ما نتج من أناشيد نهجت النهج الوجداني, وابتعدت عن الشعر الحماسي, وصارت تمنتج بـ(الكليبات) وغيرها, واستخدمت بعض المردان نقلة لذلك, وأدخلت الهرمونات الصوتية والتي كثيراً ما تكون من خلال أجهزة الغناء ذاتها, فافتتن الشباب والشابات, وأعرضوا وضلو وأضلوا, قال العلامة ابن القيم - رحمه الله - في إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان: (ومن مكائد عدو الله ومصائده التي كاد بها من قل نصيبه من العلم والعقل والدين، وصاد بها قلوب الجاهلين والمبطلين، سماع المكاء والتصدية والغناء بالآلات المحرمة، ليصد القلوب عن القرآن، ويجعلها عاكفةً على الفسوق والعصيان، فهو قرآن الشيطان، والحجاب الكثيف عن القرآن، وهو رقية اللواط والزنا، وبه ينال الفاسق من معشوقه غاية المنى، كاد به الشيطان النفوس المبطلة وحسنه لها مكراً وغروراً، وأوحى إليها الشبه الباطلة على حسنه، فقبلت وحيه، واتخذت لأجله القرآن مهجوراً..).
وبالتالي فخطوات الشيطان ومداخله لا تحصى, فقد تكن البيئة مدخل, الصحبة, المكان, أو الزمان فليحذر من الانجراف خلفها, والغرور بما يملك من علم أو تقى أن يكون ضحية لمزلق شيطاني.
  يقول الشيخ أبو بكر الجزائري-حفظه الله-معلقاً في تفسيره على قوله تعالى:" وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً": (وهذه منة أخرى وهي أنه لولا فضل الله على المؤمنين ورحمته بحفظهم ودفع الشيطان عنهم ما كان ليطهر منهم أحد, وذلك لضعفهم واستعدادهم الفطري للاستجابة لعدوهم).

7.        الاستئذان عند دخول البيوت, وهذا أمره في الإسلام عظيم, وقد جاء صراحة في هذه السورة في أكثر من موضع, ليبين الله الاستئذان, وأحكامه, قال الله-جل في علاه-:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27)", وهنا بعض المعالم:
أ‌-     في الحديث المتفق عليه قال الرسول- عليه الصلاة والسلام-:"إنما جعل الاستئذان من أجل البصر", وهذا شأنه حتى مع أهل الفرد وأسرته فربما دخل بيته ولم تتهيأ له زوجه, أو حتى محارمه, ففي الأدب المفرد روى البخاري عن عطاء قال: سألت ابن عباس فقلت: أستأذن على أختي؟ فقال: نعم, فأعدت فقلت: أختان في حجري, وأنا أمونهما, وأنفق عليهما, أستأذن عليهما؟ فقال:"نعم, أتحب أن تراهما عريانتين؟!).
ب‌-   كان النبي-صلى الله عليه وسلم-كما روى عبد الله بن بسر-رضي الله عنه- لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه, وفي هذا دلالة على احترام البيوت, وحتى يكن أبعد من مظنة رؤية عورات البيت.
ت‌-   قد حدد الله كيفية استئذان الطوافين على البيوت وهم ما ملكت الأيمان والأطفال الذين لم يبلغوا الحلم أن يستأذنوا في ثلاث أوقات, قال الله تعالى :" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (58)".وهنا لطيفة في الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم فقد يستصغر البعض أعمارهم, ويوهم نفسه بأنهم لا يدركون, وهذا خطأ تربوي فادح, فلديهم البصر الذي يحفظ الصورة في المخيلة, والحس الذي يربط بين الأشياء, يقول د.حامد زهران في كتابه علم نفس النمو عن مرحلة الطفولة من 3-6 سنوات: (يطلق البعض على هذه المرحلة "مرحلة السؤال", فما أكثر أسئلة الطفل في هذه المرحلة, ويكون الطفل في هذه المرحلة علامة استفهام حية بالنسبة لكل شي, فهو يريد أن يعرف الأشياء التي تثير انتباهه). وبالتالي فهو توجيه رباني بتعميق حس الاسئتذان, وعدم ترك الحبل على الغارب للصغير أياً كان, وتربيته على الاستئذان وزرع معالم العفة فيه, حتى إذا بلغ الحلم فينطبق عليه ما ينطبق على الكبار, فلا يتردد في الامتثال والانقياد, يقول الحق-تبارك وتعالى-:" وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (59)".

8.        هنا أعظم معلم من معالم العفة, وهو برهان الإيمان, وعلامة اليقين بوعد الله, إنه غض البصر. قال الله تعالى:" قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ...".قد ترعرع أناس بين ظهراني الكفر, وعُرض آخرون على العاهرات, وافتتن عدد بالمومسات فكانت وقايتهم بعد حفظ الله في الاستجابة لنداء الله بغض البصر وحفظ الفرج, وهنا لفتة قرآنية في قوله تعالى:( يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) فهنا كما ذكر الشيخ السعدي-رحمه الله-:(أن الله أتى بأداة"من"الدالة على التبعيض؛ لأنه يجوز النظر في بعض الأحوال لحاجة, كنظر الشاهد والعامل والخاطب, ونحو ذلك. ثم ذكرهم بعلمه بأعمالهم؛ ليجتهدوا في حفظ أنفسهم من المحرمات).
كم أسلمَ رجل أو امرأة البصر فكانوا صرعى لتلكم النظرة, والقصص تزخر بذكر الجرحى والقتلى من هذا السهم المسموم الذي أخبر عنه المصطفى -صلى الله عليه وسلم-. إن غض البصر طاعة لله, ووقاية من شرور الفاحشة, ونحن في عصر يتحدى هذه العبادة, حيث امتلأت المشاهد المغرية عبر الفضائيات وخدمات الانترنت الحديثة والأجهزة الذكية فكان الناجون يعدون عداً. فما أجمل الإنصياع لأمر الله سبحانه, وسيورث الله في القلب طمأنينة ونوراً, وحبس نظرة خير من عبادة شهوة.

9.        أمر الله -تعالى- المؤمنة بغص البصر وحفظ الفرج والحجاب والتستر وعدم إظهار الزينة ووجوب إخفائها إلا على المحارم وقد حددهم الله سبحانه وتعالى في قوله :" وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31)", وفي هذا التوجيه الرباني لفت للجانب الآخر من معالم العفة حيث الرجل والمرأة هما قطبا المعالم, فما أجمل أن تقوم المرأة بدورها في صد باب الفاحشة, وإغلاق طريق الشيطان تجاهها بأي شكل من الأشكال, حتى زينتها مع محارمها لتكن محدودة فلا تظهر غالب جسدها وتتكشف بحجة الزينة, فقد قال الله:" وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا " قال الشيخ السعدي -رحمه الله-معلقاً: (الزينة كالثياب الجميلة والحلي, وجميع البدن كله من الزينة, وما ظهر منها: أي الثياب الظاهرة التي جرت العادة بلبسها إذا لم يكن في ذلك مايدعو إلى الفتنة بها).ومن المصائب التي بُليت بها الأمة هي تلك الألباس الكاسية العارية, التي لاتكاد تجد المرأة المحافظة مايعينها على تسترها, مما تفشى ظهور الألبسة غير المحتشمة, وتطبع غالب النساء على هذه الملبوسات في أماكن تجمعاتهن, وهذا يأخذنا لأولئكم الذي يلوكون بالضوابط الشرعية في كل مهرجان يريدون أن يعروا المرأة من خلال دعاياتهم الزائفة بالضوابط الشرعية, وإن العفيفات تعلمن حقاً ماهية ضوابط الشريعة, ولاتسلمن عقولهن لمريدي الفاحشة والبغاء.

10.      النكاح, فهو من أبرز معالم العفة ودعائمها, حيث أمر الله كل ولي أن يُنكح من في ولايته, قال الله تعالى:" وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32)", والصلاح هنا:إما صالحاً في دينه أو صالحاً للزواج كما ذكر ذلك الشيخ السعدي-رحمه الله-, وإن الزواج عبادة وعفة وبناء, وهو سمة للحياة السوية المستقرة فلا أقل أن يجد الرجل أو المرأة ما يعفهما. وهنا بعض المعالم:
أ‌-     الأمر هنا بأن يتزوج المرء, أو أن يُزوج من يعول حتى ولو لم يجدوا مالاً فإن الله قد تكفل بإغنائهم, قال الله:" إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ", وروى الترمذي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه, إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض".
ب‌-   من لم يستطع النكاح, وصعب عليه لأي سبب من الأسباب فلا يجوز له أن يترك نفسه فريسة للشهوات والفواحش فقد أمره الله أن يستعفف, قال الله تعالى:" وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (33)".وأمر الله بالعفة يقتضي تحميل الفرد المسؤولية عن نفسه في عفته, وصيانته لعرضه فلا يتذرع بطرقه أبواب الحرمات بأنه لم يعطَ مايعينه على النكاح, فقد صح عن الحبيب -عليه الصلاة والسلام-في الحديث المتفق عليه: "يا معشر الشباب, من استطاع الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء".والباءة هنا: القدرة على مؤونة الزواج؛ لأن الخطاب قد وُجه لفئة الشباب, وأُمروا بالصوم تخفيفاً لوطأة الشهوة. يقول الإمام ابن القيم-رحمه الله-في زاد المعاد29/2: (وللصوم تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة، والقوى الباطنة، وحميتها عن التخليط الجالب لها المواد الفاسدة التي إذا استولت عليها، أفسدتها، واستفراغ المواد الرديئة المانعة لها من صحتها، فالصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها، ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات، فهو من أكبر العون على التقوى كما قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) (البقرة :185).
ت‌-   الحق كذلك في ولي الفتاة ألا يتركها فريسة للزنا والبغاء من منعها الزواج أو النكاح, وهو هنا موجهٌ في حق الأمَة, فما بالنا بمن يعول المرء من بناته أو أخواته أو من يعول من رحمه, يقول الحق:"وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ" ,وإن تركَها ولم يحرص على تزويجها ونظر في بعض المآلات منها كالخدمة أو المال فيترك تزويجها فلا يجوز بحال من الأحوال, فقد يضطرها للفاحشة ومادونها؛ ولاأجد حرجاً فيمن وجد من يثق من الرجال ليزوجه من يعول من الفتيات, فليس هو أشرف وأكرم من رسول الله-عليه الصلاة والسلام- وصحابته الكرام, وأن يختار لهن الصالح خير من تركهن سنين عديدة, وربما لايأتينهن إلا الحشف من الذكور.

  في نهاية المطاف بعد أن اقتبسنا نوراً من مطلع سورة النور يضيء لنا معالم العفة وموانع الرذيلة, فأقول أن المؤمن والمؤمنة بصلتهما الدائمة مع الله, وبالدعاء المستمر مع الأخذ بالأسباب الفردية , وسعيهم لإقرار الأسباب المجتمعية والسلطوية, لهي كفيلة -بإذن الله- بإنتاج مجتمع نزيه, وأن يسعى كلٌ في مكانه وبحسبه وحاله في تدعيم معالم العفة والدلالة عليها, وقمع كل فكر دخيل, وإخراس كل صوت نشاز يدعو لإطفاء سراج العفة من بيوت المسلمين. اللهم ألهمنا رشدنا واجعلنا هداة مهتدين لا ضالين ولا مضلين.

0
بورما .. الحقيقة والمأساة

لم تكن الأحداث الأخيرة التي مرت ببورما حدثا عارضا ولا أمرا جديدا , ولم يكن دم المسلمين الذي يسال فيها اليوم هو أول الدماء ولا أغزرها , ولم تكن دماء المسلمين تسيل من أهل بورما وحدهم بل هي مشكلة قديمة جديدة نعالجها في كل مرة بنفس الطريقة والأسلوب الذي لم يرق يوما لمستوى الحدث .
ففي كل فترة تثار قضية يهتم لها المسلمون أياما أو أسابيع , ثم تغمرها أمواج النسيان , حتى تأتي فاجعة أخرى تذكرنا بشعب مسلم آخر لنعيد نفس الكرة .
فما يحدث في بورما الآن يحدث بنفس الطريقة مع عدم تسليط ضوء إعلامي - نتيجة لكثرة المآسي - في كشمير مع السلطات الهندية وتركستان مع السلطات الصينية والشيشان من السلطات الروسية , ويحدث أيضا في محيطنا القريب مع عرب الأحواز مع السلطات الإيرانية , وغيرهم الكثير من الأقليات المسلمة التي لا ترى حقوقا ولا تجد ناصرا من البشر .
إن ما يحدث للمسلمين في بورما وأخواتها نتيجة لغياب المنهج الإلهي الحكيم في التعامل بين البشر واستبداله بالمناهج الأرضية التي تقوم على المرجعية الوحيدة لنيل الحقوق وهي القوة , فاستحالت الأرض كغابة كبيرة يأكل كل قوي فيها الضعفاء من حوله , وأصبح لزاما لكل حق أن يكتسب قوة تحميه وتصونه , ولا سبيل لنيل أي حق من الحقوق سوى أن ينتزع بالقوة من بين براثن المعتدين .
فمسلمو بروما الذين دخلوا الإسلام طواعية عن طريق تعامل التجار المسلمين في القرنين الثامن والتاسع الميلاديين , وسبقوا الماج البوذيين في التواجد على هذه الأرض , وأقاموا دولة إسلامية بسيادة كاملة على أرضهم لمدة تقترب من الأربعة قرون بنوا فيها المساجد وصكوا العملة التي تحمل كلمة التوحيد .
  إلا أنهم ومنذ أن اجتاحت جيوش الملك البوذي (بورديابا) مدينة " أركان" ( أكبر تجمع إسلامي في بورما ) عام 1784م , وتعرض المسلمون بعدها للعديد من المذابح المتتالية لإبادتهم من الوجود ولطمس كل معلم إسلامي فيها ولإحلال كل طابع بوذي عليها , ذلك ليختفي كل أثر للإسلام والمسلمين من حياتهم وليقضوا عليهم تماما .
ولم يقدم الاستعمار الإنجليزي جديدا لمسلمي بورما بل عمد إلى إذكاء وإشعال الفتنة والحروب بين البوذيين والمسلمين مؤيدا جانب البوذيين ومساهما معهم في القضاء على المسلمين , وكان من أشهر ما تعرض له المسلمون في بورما إبان فترة الاحتلال البريطاني لها مذبحة عام 1942 م حيث ذبح فيها قرابة المائة ألف مسلم في أركان وحدها , وتعرضت منشآتهم الإسلامية كالمساجد والمعاهد والمدارس والمحاكم الشرعية للنسف بالمتفجرات وذلك مع طرد عام للمسلمين من وظائفهم الحكومية .
وحتى بعد أن نالت بورما الاستقلال في 4 يناير عام 1948 , وهو الذي ساهم فيه المسلمون بتضحيات ملحوظة لم يكن لهم نصيب فيه إذ تجاهل البوذيون وجودهم تماما بعد فقدهم لأغلب وظائفهم الحكومية , وعوملوا معاملة مواطنين من الدرجة الثالثة أو الرابعة , مما اكسبهم ولليوم لقب " أسوأ أقلية مضطهدة في التاريخ " بحسب وصف الأمم المتحدة لها .
لذا فالأزمة ليست وليدة اليوم وان ما يحدث الآن ليس بجديد وأن النية مبيتة لإفنائهم من الوجود والعمل جار لتحقيق هذا الهدف منذ زمن بعيد , وهم يعلمون تماما أن العالم الإسلامي ضعيف بتفرقه مشغول بقضاياه تحيط به الأزمات المصطنعة التي يراد له أن يغرق فيها دوما فلا يلتفت لمثل هذه القضية وليستمر مسلسل الذبح للمسلمين في تلك البقاع ومثيلاتها دون أي بارقة أمل في تدخل أحد , فالمنظمات الدولية التي تقيم الدنيا ولا تقعدها من أجل الحفاظ على الحيوانات لا ترى المسلمين حقا في الحياة , بل تقف صامتة مشاهدة لتحصي فقط عدد قتلاهم لتنشرهم كخبر مهمل في وسائل إعلامهم .
وزادت فترة الانقلاب الشيوعي النار التي تحرق المسلمين إذكاء , إذا أعلن الجنرال (تي ون) بورما دولة اشتراكية عام 1962 م , وليذكر صراحة أن الإسلام هو عدوه الأول , فأمم أملاك المسلمين واستبدل العملة النقدية بعملة جديدة ولم يعوضهم عن العملات التي كانوا يمتلكونها ليزدادوا فقرا ومهانة , وفرض على الرجال المسلمين الزواج من بوذيات , وفرض الأسماء البوذية على أبنائهم , ومنع ارتداء الفتيات المسلمات للحجاب مما وضع المسلمين تحت اختيارين شديدين , إما الهروب وترك الأموال والممتلكات لخارج بورما , ففر كثير منهم للدول المحيطة , حيث فر أكثر من 250000 مسلماً إلى بنجلاديش ، وفي عام 1994م لجأ ما لا يقل عن 110000 إلى تايلاند , وذلك في هجرات جماعية يموت فيها الكثيرون في الطريق حتى يجدوا مأوى آمنا .
وكان البديل الآخر هو الارتداد عن الإسلام للنجاة بأنفسهم , فارتدت منهم أعداد كبيرة تحت هذه الضغوط , وتحمل الباقون الاستمرار على الدين والبقاء في الوطن مما عرضهم لكل أنواع الضغوط التي لا تتحملها أي جماعة إنسانية .
وإذا أراد أحد أن يرسم صورة للإذلال السياسي والاجتماعي فلن يجد صورة ابلغ ولا أوضح من مسلمي بورما الذين تمسكوا وبقوا في بلدهم , فحرموا كل الحقوق الإنسانية , ففي عام 1982 صدر قانون جديد في بورما يقسم المواطنين إلى درجات :
الدرجة الأولى وهم الكارينون والشائيون والباهييون والصينيون والكامينيون  ومعظمهم يعتنقون البوذية وديانات أخرى وثنية .
الدرجة الثانية وهم المواطنون الخليط من الأجناس السابقة  .
الدرجة الثالثة وهم المسلمون حيث تم تصنيفهم على أنهم ليسوا مواطنين بل أجانب دخلوا بورما لاجئين أثناء الاستعمار البريطاني وحاولوا تثبيت هذا الزعم الكاذب على المسلمين وهم أصحاب الأرض الأصليين .
وعلى هذا تم سحب الجنسية عن المسلمين وتم حرمانهم من كل الأعمال وصاروا بلا هوية في وطنهم وأصبح بإمكان الحكومة أن ترحل أي عدد منهم خارج البلاد في الوقت الذي تشاء , بوصفهم أجانب , ويرحلون بلا أية حقوق أو إثبات هوية , مما اضطرهم لقبول العيش في بلادهم على أي مستوى لعدم وجود مكان لهم لا داخله ولا خارجه .
ولم تكتف الحكومة البوذية بهذا الإذلال والإهانة للمسلمين بل جعلت مجرد نيل المسلمين لدرجة أجانب حلما من أحلامهم , فأعادت تصنيف الدرجات لتجعل المسلمين في الدرجة الرابعة وهي درجة عديم الجنسية الذي يحق للحكومة أن تحتجزه في السجن لأي مدة تشاء ثم إذا أفرجت عنه يودع في معسكرات للاعتقال لتحدد فيها إقامته وليعملوا فيها الأعمال الشاقة والخطرة , ويمنح لمن يثبت فيهم تفوقا في عمله أن يسجلوا على درجة أجانب على أن يعيش في أماكن محددة لا يسمح لهم بالخروج منها ولا يتحرك منها لمدن أخرى إلا بتصريح كتابي حكومي , وربما يتعرض للعقوبة بعد حمل جميع الأختام والأوراق الرسمية , كما حدث عام 2001  , بعدما اعتقل ثمانية من المسلمين كانوا في طريقهم إلى رانغون من أركان ، وكانوا يحملون الأوراق الرسمية المطلوبة بخلاف تصاريح السفر إلى خارج مدنهم , فتم القبض عليهم ومحاكمتهم والحكم عليهم بالسجن لسبع سنين !!
الأحداث الأخيرة
عادة لا تحتاج انتهاكات حقوق المسلمين والاعتداءات عليهم إلى مبررات من جانب الأغلبية البوذية التي تدعمها الحكومة التي تمدهم بكل شئ لإبادة المسلمين , فيكفي أن تسري إشاعة كاذبة عن أي اعتداء من جانب المسلمين على البوذيين - وهو مالا يحدث مطلقا لقلة عدد المسلمين وضعف قوتهم - إلا وتجتمع جحافل من البوذيين ليعملوا في المسلمين أسلحتهم بلا خشية من محاسبة ولا معاقبة .
وغالبا ما تكون البداية أيضا باعتداء من الجانب البوذي على مساجد أو ممتلكات أو أعراض المسلمين ومن ثم يحاول بعض المسلمين الدفاع عن مقدساتهم وأعراضهم وممتلكاتهم , وبعدها تنتشر الحرائق في صفوف المسلمين ومنها حرائق لأجساد المسلمين أنفسهم وليست ممتلكاتهم فحسب .
فتدعي وكالات الأنباء البورمية وقوع حادثة اغتصاب وقتل لامرأة بوذية جزمت بأنها على يد ثلاثة رجال مسلمين على الرغم من عدم وجود أي بيانات عن مرتكبي الحادث تحت أيديها , فقام ثلاثمائة من البوذيين بمحاصرة حافلة بها عشرة ركاب ( من الدعاة المسلمين الذين يعلمون الناس الإسلام ) وانهالوا عليهم ضربا حتى قتلوهم جميعا واغتصبوا المرأة المسلمة التي كانت معهم وأشعلوا النيران في الحافلة وحرقوا أجسادهم , والعجيب انه كان من بين العشرة رجل بوذي قتلوه أيضا وهم يظنونه مسلما .
ولا يزال الدم المسلم في بورما يسيل حتى كتابة هذه السطور , وسيظل يسيل طالما يكرر المسلمون نفس ردود الأفعال في كل مرة , بينما يشتد عليهم البوذيون وتكثر مساعدة الدول المحيطة للبوذيين في قتل وتشريد وطرد المسلمين بينما يقف المسلون دوما في مقاعد المتفرجين
رد فعل المسلمين القديم والحديث
لم يختلف رد فعل المسلمين في كل مرة , فالتجاهل لقضيتهم وعدم الاكتراث بدمائهم ظل سائدا لفترة طويلة وخاصة منذ بداية المأساة في ظل تعتيم إعلامي عليها , وعندما زادت الوسائل الإعلامية وظهرت مشكلة بورما على الساحة الإسلامية والدولية انتقل رد الفعل الرسمي المسلم إلى السلاح الفعال الذي يستخدمونه في كل مرة , وهو سلاح الشجب والاستنكار والإدانة , وهو السلاح الفاتر الذي لا يسمن ولا يغني من جوع , وكان التصرف الشعبي وتصرف المنظمات الإسلامية أكثر رقيا واستشعارا للمسئولية من التصرف الرسمي الغائب تماما عن المشهد .
فعلى الرغم من تدخل بعض المنظمات الإسلامية التي اتخذت قرارها بجمع مساعدات مالية لهم وتوصيلها داخل بورما وعلى حدودها إلا أن المجتمع الغربي لم يتركها تعمل هذا العمل الإنساني .
وكانت مؤسسة النجدة العالمية في أمريكا وهي من المؤسسات الإغاثية الإسلامية قد بدأت في إيصال المساعدات لهم إلا أن تلك المؤسسة قد أُغلقت وجُمدت حساباتها من قبل الإدارة الأمريكية للرئيس جورج بوش بعد الحادي عشر من سبتمبر , ولم تتبن قضيتهم بعد ذلك مؤسسة إغاثية بمثل ما كانت تقدمه مؤسسة النجدة .
مشاهد مفزعة ومتكررة تدمي القلوب
ما أصعب أن يعيش الإنسان وهو مختبئ داخل جدران بيت متهالك لا يقي حر صيف ولا برد شتاء ويفقد فيه الأمن أيضا وخاصة عندما تجوب مجموعات بوذية مسلحة بالسكاكين وعصي الخيزران المسنونة العديد من مناطق وبلدات ولاية أراكان لتقتل كل من يواجهها من المسلمين وتحرق وتدمر مئات المنازل
وما أصعب أن تستنجد فتاة مسلمة من بورما تدرس بالأزهر لتحكي ما يحدث لأخواتها , فتقول الفتاة المسلمة عائشة صلحي التي تدرس الشريعة في مصر: " منذ أيام اتصلت بأهلها فأبلغوها أنهم هربوا إلى بنجلاديش بعد أن هدم البوذيون منزلهم وقتلوا بعض أفراد العائلة وأن صديقتها المقربة راحت ضحية هذه المجازر البشعة " , وتحدثت عن حالات الاغتصاب المتكررة للمسلمات هناك فتقول " ابنة خالتى ظل الجيش يغتصبها لمدة ثلاثة أعوام وأنجبت طفلين لا تعرف أباً لهما" !
فهل بعد هذا من خزي وعار يلاحقنا نحن - الآمنين - في بيوتنا ومساجدنا ونحن نترقب دخول شهر رمضان ؟ , وهل يطيب لنا عيش وإخواننا يقاسون ألوان المهانة ؟!!
موقف بنجلاديش
على الرغم من تفهم الجميع لإمكانيات بنجلاديش الاقتصادية وأنها لا تستطيع أن تتحمل كل هذه الأعداد من النازحين إليها , إلا أن هذا لا يبرر ما تقوم به من تعذيب وإهانة أبناء بورما النازحين إليها , فتلقيهم في معسكرات لا تصلح للحياة بل هم فيها إلى الموت اقرب منهم للحياة في إقامة غير آدمية لمن سمح لهم الإقامة فيها , ويقيم أبناء بورما في مخيمات تخضع للأمم المتحدة لتضم أكثر من 25000 لاجئ رسمي بينما تؤكد بنجلاديش ما بين 200000 إلى 300000 لاجئ غير رسمي لا يحملون أية وثائق رسمية , وفي تقرير حقوقي أعده مجموعة من اللاجئين المسلمين في بنجلاديش حول وضع المخيمات واللاجئين، أظهرت الأرقام أن عدد اللاجئين البرماويين المسلمين في بنجلاديش تجاوز 700 ألف لاجئ، والمسجل منهم لدى وكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة 30 ألف لاجئ فقط , وهم داخل بنجلاديش يعيشون بلا أية حقوق قانونية خارج المخيمات , ويساعدهم أهل بنجلاديش المسلمون في حصولهم على قوتهم الضروري في بلد يعاني أكثر أهله من الفقر والحاجة
ومن المخزي أن تقف الحكومة في بنجلاديش وتقوم بعرقلة وصول المعونة والإغاثة الإنسانية الدولية إلى هذه الفئة من اللاجئين غير المسجلين وخاصة بعد أن اعتقلت أربعة موظفين بنجلاديشين من منظمة إنسانية دولية بتهمة تقديم المساعدة إلى اللاجئين غير المسجلين مما اضطر عدة منظمات إسلامية مثل منظمة الإغاثة الإسلامية البريطانية لإيقاف عملياتها الإنسانية هناك منذ عام 2010 .
وينبغي على الحكومات المسلمة أن تسير في اتجاهين متوازيين الطريق الرسمي الدبلوماسي بالضغط على حكومة بورما بكل الوسائل الدبلوماسية المتاحة لإنقاذ المسلمين هناك وفي المسار الثاني بتقديم الدعم لهؤلاء النازحين لتحسين أوضاعهم داخل بنجلاديش ومحاولة الوصول لمسلمي بورما وتقديم المساعدات الإنسانية لهم وخاصة بعد ورود تقارير تفيد بأن " عشرات الآلاف من اللاجئين البورميين لا يستطيعون الحصول على المعونات الغذائية، وأن 25% من الأطفال يعانون من حالات سوء التغذية الحادة، وأن 55% من الأطفال ما بين 6- 59 شهراً يعانون الإسهال، وأن 95% من اللاجئين يقترضون ويتسولون ليأكلوا " .
ويتبقى بعد ذلك السؤال الأهم
هل ستعاود الحكومات المسلمة اتخاذ نفس رد الفعل , أم سيكون لها موقف أكثر قوة وإيجابية في التعاطي مع مشكلة قديمة وأزلية قبل أن يقف كل مسئول بين يدي الله ليسأله عن عمله وعن نصرته لإخوة مسلمين يستنجدون به في عالم يتحزب فيه كل أبناء ديانة ويدافعون عن إخوانهم في العقيدة ... إلا المسلمون ؟

0
معالم المتدبرين

حث الله -سبحانه وتعالى- على تدبر مواعظ القرآن، وبين أنه لا عذر في ترك التدبر كما قاله القرطبي بدلالة قوله تعالى: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ). [ص، 29] لكنَّه بيَّن أيضاً أن هذا التدبر له شروط ومعالم ينبغي للمتدبر أن يحققها؛ ليحصل بها أثر التدبر وثمرته، ومن خلال التأمل في كتاب الله نجد أن آية سورة (ق) وهي قوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) [ ق: 37 ] قد أشارت إلى هذه ذلك إجمالاً، وعلى ذلك سيتمحور الحديث عن هذه الشروط في ضوء هذه الآية الكريمة، ويمكن أن نجعل هذه الشروط تحت هذه المعالم الرئيسة:
 
أولاً: أن يكون المتدبر حي القلب.
ثانياً: أن يفعل المتدبر الأسباب المعينة على التدبر.
ثالثاً: أن يجتنب المتدبر الأمور التي تصرف عن التدبر.
 
وهذه الشروط تندرج تحتها أسباب ولوازم كثيرة، وهي شروط نسبية تتفاوت من شخص إلى آخر تزيد وتنقص؛ بسبب تفاوت العقول والأفهام، وفعل الأسباب، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (هذا مع أن الناس متباينون في نفس أن يعقلوا الأشياء من بين كامل وناقص, وفيما يعقلونه من بين قليل وكثير وجليل ودقيق وغير ذلك...). [الفتاوى الكبرى، 9/309] فبحسب تحقيق هذه الشروط وأسبابها، تكون نتيجة التدبر من زيادة أو نقصان، وتفصيل ذلك في مايلي:
 
فكون المتدبر حي القلب: فهذا ظاهر من الآية، وقد نصَّ غير واحد من المفسرين كقتادة، ومقاتل بن سليمان، وغيرهما، على أن المراد بالقلب هنا: القلب الحي؛ فالرجل الحيُّ القلب مستعد, فإذا تليت عليه الآيات, أصغى بسمعه, وألقى السمع وأحضر قلبه, ولم يشغله بغير فهم ما يسمعه, فهو شاهد القلب, ملقي السمع, فهذا هو الذي ينتفع بالآيات المتلوة والمشهودة، فإن كان القلب غائباً أو مسافراً في الأماني والشهوات والخيالات؛ فإنه لا يحصل به الانتفاع،   ولذلك نجد أن القرآن الكريم أشار إلى أن هذه الأمور تعد من أقفال القلوب المانعة من التدبر، فقال موبخاً المنافقين: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)؟! [محمد، 24]
 
قال ابن القيم في الفوائد: (قوله: (لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ) فهذا هو المحل القابل، والمراد به القلب الحي الذي يعقل عن الله، كما قال تعالى: (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (69) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا)   أي حي القلب).
 
ومن لوازم هذا الشرط المهم - حياة القلب وشهوده - أعمال القلب الأخرى: كالإيمان بالله، وإخلاص القصد، واليقين، والإنابة إلى الله، واستشعار عظمة القرآن.. وبالمقابل أيضاً يلزم من ذلك تطهيره من أقفال التدبر: من الشواغل، ومن الغل والحسد والرياء والنفاق..إلخ.
 
 
فإذا حقق المتدبر هذا الشرط وما يلزم منه من اللوازم، بحيث يصبح قلبه حياً شاهداً طاهراً؛ فإنه - بإذن الله - سينتفع بآيات الله المتلوة والمشهودة. وحينها لن يشبع القلب من كلام الله كما أشارت إليه القولة العثمانية الرائعة التي نقلها الإمام أحمد في الزهد عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه-: (لو طهرت قلوبنا ما شبعت من كلام الله عزوجل).
 
أمَّا كون المتدبر يفعل المتدبر الأسباب المعينة على التدبر فدلالته أخذت من قوله تعالى: (أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ) فإلقاء السمع من أهم الشروط؛ ولا يتم التدبر إلا به، كما أن إلقاء السمع ثمرته العمل بما سمعه المرء، وإلا فما فائدة السمع إذن؟!
 
  وقد أمرنا القرآن بالإستماع إلى آياته والإنصات لها بقوله: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [الأعراف، 204] أي: أصغوا له سمعكم لتتفهموا آياته، وتعتبروا بمواعظه، وأنصتوا إليه لتعقلوه وتتدبروه، ولا تلغوا فيه فلا تعقلوه كما قاله شيخ المفسرين الإمام الطبري.
  قال الإمام وهب بن منبه - رحمه الله -: (من أدب الاستماع: سكون الجوارح, وغض البصر, والإصغاء بالسمع, وحضور العقل, والعزم على العمل).
علَّق على ذلك القرطبي في تفسيره بقوله: (وذلك هو الاستماع كما يحب الله تعالى, وهو أن يكف العبد جوارحه, ولا يشغلها فيشتغل قلبه عما يسمع, ويغض طرفه فلا يلهو قلبه بما يرى, ويحصر عقله فلا يحدث نفسه بشيء سوى ما يستمع إليه, ويعزم على أن يفهم فيعمل بما يفهم).  
  فإلقاء السمع إذن يستوجب العمل، ولكن هذا السمع لن يكون مؤثراً؛ حتى يعقل المتدبر ما يسمع، كما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: (فالذي يَسمَعُ ما جاءت به الرسل سَمعًا يَعقلُ به ما قَالُوهُ يَنجُو. وَإلا فالسَّمعُ بلا عَقلٍ لا يَنفعُهُ.. وكذلك العقلُ بلا سَمعٍ لِمَا جَاءَت به الرسل لا ينفع). وقال تلميذه ابن القيم في الصواعق المرسلة: (فجمع سبحانه بين السمع والعقل, وأقام بهما حجته على عباده, فلا ينفك أحدهما عن صاحبه أصلاً, فالكتاب المنزل والعقل المُدْرِك حجة الله على خلقه).
قال سفيان بن عيينة - رحمه الله -: (أول العلم الاستماع, ثم الفهم, ثم الحفظ, ثم العمل, ثم النشر؛ فإذا استمع العبد إلى كتاب الله تعالى وسنة نبيه - عليه الصلاة والسلام - بنية صادقة على ما يحب الله أفهمه كما يحب, وجعل له في قلبه نورًا). [أحكام القرآن، القرطبي 11/176]
 
ولن يعقل هذا المتدبر إلا بقيامه بعمل الأسباب المعينة على عقل هذا المسموع الذي هو القرآن، وأسباب ذلك كثيرة، من أهمها: معرفة اللسان العربي حيث ذكر العز بن عبد السلام أن تدبر القرآن وفهم معانيه لا يأتي إلا بمعرفة اللغة، ومنها أيضا: مراعاة الأحوال المناسبة للقراءة والسماع، والبسملة، والاستعاذة من الشيطان، والترتيل؛ لأن ذلك أدعى للعقل والفهم، والترديد للآيات فهو يزيد الفهم لكلام الله،؛ كل على حسب قدرته وتفهمه بشرط العلم الصحيح والفهم الصحيح كما قرَّره العلامة الشنقيطي في أضواء البيان.
  فالاستماع السليم هو الذي يورث التلاوة الصحيحة والفهم الصحيح، إذ إن القرآن أخذ بالتلقي؛ وعندئذٍ يشترك اللسان والعقل والقلب, فحظ اللسان: تصحيح الحروف بالترتيل, وحظ العقل: تفسير المعاني, وحظ القلب: الاتعاظ والتأثر بالانزجار والائتمار؛ فاللسان يرتل, والعقل يترجم, والقلب يتعظ. [ينظر إحياء علوم الدين، الغزَّالي، 1/287]
ومن جميل ما يستشهد به في هذه المسألة ماقاله ابن بطال معلقاً على حديث قراءة ابن مسعود t وقوله r له كما في الصحيحين: (إني أحب أن أسمعه من غيري). قال: (يحتمل أن يكون الرسول r أحب أن يسمعه من غيره، ليكون عرض القرآن سنة يُحتذى بها, كما يحتمل أن يكون لكي يتدبره ويتفهمه).  
 
أمَّا كون المتدبر يجتنب الأمور التي تصرف عن التدبر.
وهو ما يعبر عنه علماء الأصول: بانتفاء الموانع، وهو شرط من الشروط الأصلية، فالأحكام توجد بوجود الشروط، وتنتفي لوجود الموانع.   
وآية سورة (ص) وهي قوله تعالى: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ). [ص، 29] دالة على ذلك لزوماً، فالقلب الحي، والاستماع السليم، والقلب الشاهد؛ لا توجد إلا لمن بتحقق شروط التدبر وانتفاء موانعه، وعلى ذلك: فكل شي لا يتم الانتفاع به إلا بتحقيق شروطه وانتفاء موانعه، ومن ذلك تدبر القرآن. وإلا فكيف يكون القلب حياً، وهو منكب على الشهوات أو الشبهات؟! فالمطلوب إذن من المتدبر أن يبتعد عن الوقوع فيما يصرف التدبر.
 
والموانع التي يجب على المتدبر اجتنابها صنوف وأضرب، وهي غالباً ما تندرج تحت سببين رئيسين: إما وقوع المرء بالشبهات مثل الجلوس مع أهل البدع، واتباع المتشابه، وقصر  الآيات على أحوال خاصة..إلخ. أو وقوع المرء في الشهوات: كالإصرار على المعاصي والذنوب، واستماع الغناء، والانشغال بالدنيا، واتباع الهوى..إلخ.
ومن جوامع ابن القيم ما ذكره في كتابه الفوائد، وهو يتكلم عن هذه الشروط  بكلام مختصر مفيد، حيث يقول: (والمقصود أنك متى ما أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه, وألق سمعك, واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه, فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله, قال تعالى:        (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) [ ق: 37 ], وذلك أن تمام التأثير لما كان موقوفًا على مؤثر مقتض, ومحل قابل, وشرط لحصول الأثر, وانتفاء المانع الذي يمنع منه, تضمنت الآية بيان ذلك كله بأوجز لفظ وأبينه وأدله على المراد .
  فقوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى) إشارة إلى ما تقدم من أول السورة إلى هاهنا, وهذا هو المؤثر.
وقوله:   (لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ) فهذا هو المحل القابل, والمراد به القلب الحي الذي يعقل عن الله, كما قال تعالى: (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (69) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا) [يس: 69 - 70].   أي: حي القلب.
وقوله: (أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ) أي: وجَّه سمعه وأصغى حاسة سمعه إلى ما يقال له, وهذا شرط التأثر بالكلام. وقوله:   (وَهُوَ شَهِيدٌ) أي: شاهد القلب حاضر غير غائب.
     قال ابن قتيبة - رحمه الله -: (استمع كتاب الله وهو شاهد القلب والفهم, ليس بغافل ولا ساه)، وهو إشارة إلى المانع من حصول التأثير, وهو سهو القلب وغيبته عن تعقل ما يقال له, والنظر فيه وتأمله.
فإذا حصل المؤثر وهو القرآن, والمحل القابل وهو القلب الحي, ووجد الشرط وهو الإصغاء, وانتفى المانع وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب, وانصرافه عنه إلى شيء آخر, حصل الأثر وهو الانتفاع والتذكر).
 
وإني موصيك ونفسي أيها القارئ الكريم، خاصة وأنت في شهر القرآن أن تراعي هذه الشروط والمعالم في تعاملك مع كتاب ربك؛ لتظفر بالتدبر الأمثل لكتاب الله عزوجل، فإن من أفضل ما يُفنى به العمر، ويقضى فيه الأجل تدبر كتاب الله، إذ به تكمن الغاية الكبرى من إنزاله.. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ). [الزخرف، 44]

0
ما الذي يضغط على الشباب نحو التبديل؟ (2-2)

مقدمة لابد منها ..
نعبر بـ"الانسجام" على الحالة النهائية لمصَالَحة النفس ، ومدى التوافق بين الفكر والروح والجسد ، في وضعية إنسانية اجتماعية ما .. وتتحكم في "الانسجام" عوامل متعددة ؛ كاللغة والجنس والثقافة والصفات الشخصية والقدرات ، ومن مغذياته الدين والتاريخ والتربية ..
إن القدر الكبير من الانسجام والقدرة على التعايش ضمن البيئة بنجاح ؛ ضرورة وحاجة نفسية ملحة ، إذ تتضح معها الخطوط الآمنة لتحقيق المصلحة المشتركة وأداء الحقوق والواجبات المتبادلة ضمن سعة احتمالية ممكنة .

ولهذا الانسجام اتجاهين -على الأقل- نعنيهما في المقال:
الأول: انسجام داخلي ؛ انسجام النفس مع المبادئ والقيم التي يؤمن بها وتطبيقها في الواقع العملي والالتزام بها.. ومؤشره الثبات.
الثاني: انسجام خارجي ، انسجام النفس مع البيئة التي ينتمي إليها أو يقُدَّر العيش فيها.. ومؤشره الدعوة والتأثير .
وللانسجام الخارجي دلالائل تؤكده ، من أبرزها :
1) القبول .
2) معدل الصفات المشتركة .

• أما ( القبول ) فهو مفتاح الدخول للعلاقة الجديدة ، فما لم يشعر المرء ضمن البيئة التي يقصدها (الأسرية - التعليمية - الوظيفية - مجموعات الأصدقاء..) بالقبول والترحاب المبدئي ، والذي يحدده الاستقبال الجيد واللقاء السلمي ، لن يكون قادراً بعدها على الانسياب في علاقة اجتماعية جيدة .

• أما ( الصفات المشتركة ) .. فذاك انجذاب الطيور لأشكالها.. ولازمة الاستقرار النفسي والانطلاق.. كم مرةٍ وجدت من ذي مهنة معينة ، حميمية مدهشة لشخص آخر ، لم يسبق أن التقى به ، سوى أنه يشاكله المهنة ؟..
والطالب المبتعث ، المسلم ، العربي ، في غربته يأنس لمثيله ، ويقترب للمسلم ، وللعربي أكثر ، ولابن بلده أكثر ، ولذات التوجهات أكثر ، ولذات التدين أكثر .. وهكذا تتقارب النفوس وتنسجم كلما تبدّت الصفات والمبادئ والقيم المشتركة بينها ..

وهذا فيه تحدي بين الانسجام مع البيئة -ذات التنوع الثقافي والتربوي والديني..- الذي يتطلب توفير مشتركات مقبولة تمكِّن برغمها من الاجتماع والتعايش ، وبين الالتزام بالمبادئ وإعلانها مهما كلف الأمر من صعوبات وتحديات مع البيئة ..

بعد المقدمة .. نشأة الصراع  ..

يتولّد "الصراع الداخلي" في الإنسان كثيراً من محاولة التقريب بين الانسجامين الداخلي والخارجي ؛ لا سيما في زمان الغربة وأماكن الاغتراب .
والإلحاح النفسي الذي يتولّد لتحقيق قدر من الانسجام ؛ ربما دفع بالمرء المسلم إلى إضمار شيء من المبادئ والأفكار والمفاهيم ودفنها في النفس أو تسويتها مع البيئة واختزالها عن الظهور توجساً من شذوذها الشكلي أو المعنوي والذوقي..

ولتجاوز مرحلة الصراع هذه واختصارها ؛ يفضِّل المنهزمون وضعيفي الإيمان بمبادئهم ، حصد المكاسب للانسجام الخارجي على حساب الانسجام الداخلي.. ويتأزم الحال وتشتد خطورته إن تم ذلك على حساب المبادئ العميقة المرتبطة بالهوية الإسلامية والمميزة لها ظاهراً وباطناً!

فحينما يتنازل المرء عن مبدأ جيد لأجل مبدأ رديء ووضيع ، كمن يتنازل عن روح المسؤولية والأمانة والإخلاص تمشياً مع عبث البيئة الجديدة وفوضويتها وغياب المسؤولية والأمانة ؛ فذاك تحقيق لانسجام خارجي ربما خفف الصراع النفسي -وربما لا تُدرك عاقبته- يكشف عن ضعف الانسجام الداخلي مع المبادئ والقيم والأفكار!

والذين يتعرضون للسفر لبلاد أجنبية من المبتعثين ، يواجهون صراعات حاسمة مع المبادئ والأفكار والمفاهيم ؛ لتعدد مستويات الاختلاف ، ربما دفع بعضهم -لحماسه ورغبته الشديدة في فرصة الابتعاث- إلى المساومة على المبادئ الشرعية الأصلية ، فيبدي انسجامه الخارجي على الداخلي فيضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مناحي متعددة ثم الانسياق وراء تحقيق إنسجامات متتالية في القيم والعادات وربما آلت إلى حرف السلوك والفكر ..

والشاب المسلم مالم يرفع راية الانسجام الداخلي أولاً ويعززها في نفسه -وهذا سر الثبات والتأثير- مع أصل الإيمان والقناعة التامة بقدرته على تطبيق شرع الله تعالى مع الاستطاعة والالتزام به، سيما في أزمنة الغربة وأماكن الغربة -وهل يخلو المسلم اليوم من غربة؟!- وإلا سيتحول جرياً وراء سراب الهوى ؛ لتحقيق سعادة وقتية ، بدعوى تحقيق انسجامات خارجية ، وتخفيف الصراعات الداخلية ، وخور ، وضعف ثم انسلاخ .. نسأل الله العافية والثبات .

وخير ما يعزز ضرورة الانسجام الداخلي للمسلم ويلبي له الحاجة في أقصى درجاتها ، أن يتوافق مع مبادئه الإيمانية النابضة في قلبه ضمن بيئة متوافقة معه في ذات النبض والتأثير .. الرفقة الصالحة التي تتشارك معه مبادئه وتمنحه سعادة الانسجام .
ولنا من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وخروجه من مكة التي أحبها معاني وإشارات تلخص لك الدرس ؛ إذ لم تتهيأ أرض الدين الواحد والقيم الواحدة هناك . .. فكانت الهجرة طريقاً في إيجاد البيئة التي تؤسس للانسجام الداخلي وتقويه وتهيء للانسجام الخارجي وتكونه ، إذ بهما بُنيت الدولة في النفوس وعمرت في الأرض!

والله أعلم

لعل فيما ذكر بيان لأسباب تضغط على الشباب نحو التبديل وليست مسوغات لذلك ..!
  فنستدرك على أنفسنا! بأننا هنا لا نسوّغ لأحد أبداً تبديله أو تراجعه أو نبرره (فكل نفس بما كسبت رهينة) .. ولكن هي محاولة للمعالجة وأسأل الله لي ولكل قارئ الثبات حتى نلقاه ..

0
ما الذي يضغط على الشباب نحو التبديل؟ (1-2)

موضوع له أهميته وحساسيته لأولئك -وأحسبك أحدهم- الذين يتحرَّقون على الاستقامة ويستميتون من أجل الصبر عليها، وتبلغ المجاهدة لديهم أعلى درجاتها ؛ للثبات على فعل الطاعات واجتناب المعاصي وعدم إظهارها؛ ويخشون تبدل أحوالهم بين عشية وضحاها ويسألون الله اللطف وحسن الختام.. نتدارس هذا الموضوع لتخفيف حدة القلق التي تنتاب بعضنا نحو "المبدِّلين" ، والحيرة التي تحول دون رؤية دوافع التبديل وأسبابه، خاصة من أولئك الذين عَرفوا معنى الحَور والثبات وخطورة الكوْر و"التبديل" في الدنيا والآخرة، وما قد يواجه به "المبدِّل" من دهشة القريب قبل البعيد ؛ وتساؤل النحب قبل العدو ، كيف لا .. وقد أُسِّس على شيءٍ من القرآن والسنة ودروس العلم والدعوة والتربية والتواصي على الطاعات كانت تؤهله لاستدراك ما ينقصه ويحتاجه من الوسائل الأخرى الأنفع له ..

لا أتعرَّض في حديثي للأسباب العامة العاصمة من "التبديل" التي يعرفها طالب مرحلة متوسطة قد التحق بالمحاضن التربوية فضلاً عن قارئ هذه اللفتة الكريم؛ مِن تدبُّر بعض المواعظ القرآنية، والنظر في حياة السابقين الثابتين، وخلوات العبادة والمحاسبة والتنقية، وصحبة الأخيار الذين يمتازون بوهج الإيمان، وشغل الأوقات بالواجبات وأداء الحقوق والمندوبات، والبعد عن مواطن الفتن المنتشرة، ومقاومة غزو الشهوات لملك الجوارح (القلب)، والإقبال على العلم الشرعي والقراءة النافعة... وغيرها مما لا يخفى وتكفي الإشارة فيه ..

أود أن أشير إلى أسبابٍ أراها في غاية الأهمية وهي لا تدع للشاب فرصة كافية لطرد خواطره ، التي تؤزُّه أزّاً للقفز نحو قالب جديد (بعد التبديل)!!

والأمل أن نسعى -معاً- في ثنايا ذكر الأسباب إلى المعالجة واقتراح وسائل أخرى لذلك..

فمن جملة تلك الأسباب ما يلي:

1) الاقتراب دون الاحتراز :
إن الشباب الأخيار ينتمون إلى واقع منفتح على العالم كغيرهم ، تموج فيه الفتنة والشر أسرع من ذي قبل ، ويدركون أن الفتن سبب من أسباب "التبديل"..
إذن كيف راجت عليهم الفتنة وكيف سقطوا ؟! دعونا ننظر إلى السابقين الذين قضوا بثباتهم :
ألم يكن في عهدهم فتن تدعوا إلى "التبديل" ؟!
ألم يكن في جيل الثابتين ثمت نساء يُفتـِنَّ؟!
ألم يكن لنفوسهم ثورة لجمع المال وحبه ؟!
ألم تخامر خواطرهم شرب الخمور والتلذذ بها؟!
أخذ المكوس والرشوة وحبُّ الشهرة والتصدّر والتريّس... ألم تتوارد تلك المعاصي في أجيال الثابتين ؟!
ألا تكافئ لذة تلك الفتن والشهوات في ذلك الزمان هذا الزمان ؟!
هل يظنّ ظانٌّ أنَّ المعاصي في ذلك الزمان من يقترفها لا يفقد "الحسّ الإيماني" أو يفعلها بروحٍ إيمانية مثلاً! وهي علينا اليوم أشد ؟!

بالتأكيد.. لا .. (فلا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن).. إذن القضية واضحة النتيجة، فالمعصية والفتنة أثرها واحد، وتتكرر في كل زمان.. والتلبس بها والاقتراب منها يُوقع فيها.

وقول رسولنا الرحيم صلى الله عليه وسلم: (أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب) ؟ ماذا كان يعني؟

إنَّ مباشرة أسباب الفتنة يُوقِع في الفتنة ولو كان أحدنا كابن الخطاب رضي الله عنه!

والذي جرى من الفاروق رضي الله عنه -فقط- أنه كان بيده شيء من التوراة فغضب الرسول صلى الله عليه وسلم فقال له : "أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب" ؟!

إن الشاب الخيِّر الذي يعيش واقع اليوم لابد أن يحاكم أوضاعه بطريقة مغايرة عن شباب الأمس ، ويكون أكثر انتباهاً واستبصاراً ليعي ذاته من داخله وخارجه، ويترقَّب جزئياته وما قد يطرأ عليها من التغيير أو "التبديل" ويتحسس ذلك؛ ليستدرك ويتنبّه تغلغل "التبديل"، الذي يتحول من مجرد الانكماش القيمي إلى زوال القيم!!
لنرى شيوع اللباس الأجنبي ، ومقتنيات الهوية الأجنبية ، والكلمات الأجنبية ، والكماليات الأجنبية... ثم تنتقل إلى الفكر الأجنبي، والتعلق بالأجنبي والانبهار به... والعياذ بالله

2) التشوق المحموم لهناء موهوم :
الشاب بطبيعته حيوي ، والشباب المنفتح لديهم تسارع نفسي ملحوظ ، ورصيد عاطفي غير متزن ، وتأهُّب تفاعلي مندفع ، يواكب المستجدات من حوله في عالم الترفيه والتقنية والموضة والدعاية والمتابعة والصدارة والشهرة.. همه التغيير، مهووس بالجديد، موهوم بالتململ، يفر من عقدة النقص فيكمل شخصيته بشكليات تملؤه، هي شهوته ولذته وغاية متعته، وكلما زاد منها رغب في المزيد، تسربت حياة المادة والأنوثة والتحرر إلى نفسه، فضعفت كوابحه، وتشوشت قيمه واختلطت مبادئه، فيفر من ضغط العجلة المادية الجديدة ليستنجد بأخرى أجد منها، وهذه تجعل -في نظر السائر نحو التبديل- في الحلول الإيمانية التي يعلمها (قراءة القرآن، وقيام الليل، والاستغفار، والدعاء، والإخلاص، والخوف من الله...) عاملاً بطيء التأثير، فلا يقوى على الصبر لثورانه وتوهج مشاعره لعمل شيء ما، فتعمى بصيرته، ويستعجل إزالة الهم والغم الذي يعانيه، فيلجأ إلى التغيير السريع الذي في حقيقته هو تغيير مؤقَّت!

وقد وقع في مثل هذا الغرب ، حين كنا نعجب منهم ولا زلنا ؛ إذ يملكون من عناصر المادة والتقنية والترفيه والتقدم والمال والطبيعة والحرية -كما يفهمونها- في أوسع حدودها ؛ إلا أن الأزمات النفسية لا تغادرهم والانتحارات والوقوع في حبائل المخدرات لا يفارقهم ! .. لماذا ؟!

نعم .. قد لا نلومهم لأنهم لا يعرفون المنهج الرباني الذي نؤمن به وفيه الطمأنينة والسكينة والراحة والثقة ..
لا نلومهم !
لكن علينا أن نتعظ منهم لتفسير ما يقع من بعض شبابنا اليوم -هداهم الله- وما قد يتأثر به الشباب الخيّر أيضاً؛ من تراجع وغياب قيمهم ملامح السنة الظاهرة .. فتستبدل بعد ذلك بالقيم الأجنبية الدخيلة (ففرَّوا من الموت وفي الموت وقعوا !)..
شيئاً فشيئاً ..
فإذا طغت حاجات الجسد وتلبيتها على حاجات الروح وتلبيتها ؛ تبدّلت الأحوال وتغيرت النفوس وساء المنقلب ..
والله المستعان.

وللحديث تتمة في جزء آخر بحول الله ..
 
تعريب وتطوير محمد محمود
شخبطة © 2011 | عودة الى الاعلى
محمد محمود